مختارات

قصة قصيرة /بعنوان: مصفاة الحب  للأديب: أو هنري  ترجمة: محمد ناصر صلاح .

تقع «صـيـدليـة النور الأزرق» في وسط المدينة، بين شـارع «باوري» و«الشارع الأول»، حيث تكون المسافة ما بين الشارعين، في أقصـر امتداد لها. وترى «النور الأزرق» أن الصيدليـة ليست متجرا للعطور النادرة، وصـودا المثلجـات. وإذا مـا طلبت من الصيدلية مضادا للصداع فلا تتوقع أن تحصل على حلوى.

وتحـتـقـر «النور الأزرق» فنون اختصار الجهد، التي تعتمدها الصيدلية الحديثة. وهي تقوم بمعالجة المواد المهدئة، والمسكنة للألم، وتجهز منها مستحضراتها الخاصة. حتى هذا اليوم، لا يزال يجري تحضير الأدوية على مكتب الوصفات المرتفع، الأدوية توضع على رقائق خاصة بها، وتقطع بأداة خاصة، تضغط بحركة دائرية بالسبابة والإبهام، ويرش عليها المغنيسيوم المكلس، وتعبأ في علب أدوية كرتونية صغيرة مستديرة. وتقع الصيدلية على منعطف يلعب فيه أطفال مرحون، مكسوون بملابس رثة، ويتأهلون للأدوية – التي تكافح الكـحـة، وتلطف من آثار المرض – التي تنتظرهم في الداخل.

«آيكي شوينشتاين» كان المناوب الليلي في «النور الأزرق»، وكانت علاقته بزبائنه تصل إلى حد الصداقة. كانت الصيدلية تقع على الجانب الشرقي، مما يطرد عنها البرد . وفيها يكون الصيدلي، كـمـا يجب عليـه أن يكون، مـتـلـقـي الاعـتـراف، ومـقـدم المشـورة، ومسدي النصح، والراعي، والمرشد القادر والمستعد، وصاحب علم يقدره الناس، وحكمة غامضة يجلونها ودواء يصبونه ويجرعونه، دون أن يتذوقوه. لذا، فقد كان أنفه الذي تغطيه النظارات، وقوامه الهزيل الذي أضنته المعرفة شهيرين في الجوار، وكانت نصائحه وآراؤه تطلب بإلحاح.

كان «آيكي» يعيش في إحدى غرف منزل السيدة «ريدل»، على مبعدة ميدانين، وهناك يتناول طعام الإفطار، وكان للسيدة «ريدل» ابنة تدعى «روزي»، ولا داعي للإسهاب – حيث إنك لا بد أن تكون قد حزرت المسألة – «آيكي» كان متيما «روزي»، لقد استحوذت على كل تفكيره، وكانت تشكل الخـصـاصـة المركـبـة لكل مـا كـان كيميائيا نقيا ورسميا، وليس هناك في علم الأدوية ما يناظرها. إلا أن «آيكي» كان مخلوع الفؤاد، وآماله بقيت لا تقبل الذوبان في المذيب المكون من تخلفه، ومخاوفه. وراء مكتبه كان جبارا، يدرك

بهدوء المعرفة والقيمة الخاصتين به، أما في الخارج فقد كان ضعيف القلب، هائما، يرتدي ملابس غير متناسقة، وملطخة بالمواد الكيمياوية.

لم يكن ينغص عليه حبه سوی «تشانك مـان غـووان». وكان السيد «ماك غووان» أيضا يبذل قصارى جهده، ليحظى بنظرة إلى البسمات المشرقة التي توزعها «روزي». إلا أنه لم يكن يرد على غرار «آيكي»، فلاعبنا كان سريع الاستيعاب لمحاولات الصد، وكان في الوقت نفسه، صديق «آيكي» وزبونه، وكثيرا ما يمر بـ «صـيـدليـة النور الأزرق» ليطلب مـسـح كـدمـة أصابته باليود، أو تغطية جرح باللاصق الطبي، بعد أمسية بهيجة، في الـ «باوري».

 

في عصر أحد الأيام، غرق «ماك غووان» في صمته، مطمئنا، وجلس على أحد المقاعد، وقد علت محياه الوسـامـة، والارتياح، والانتصار، والطيبة. وحين أحضر صـديقـه جرته، وجلس قبالته، يهرس اللبان الجاوي في مسحوق، قال له: «آيكي… اسمعني جيدا… إنها أدوية لي… هي ما أحتاجه».

دقق «أيكي» في ملامح السيد «مـاك غـووان» بحثا عن آثار مشاجرة، إلا أنه لم يجد شيئا من ذلك. قال له: «اخلع معطفك». أعتقد قبل أن أرى، أنك قد تعرضت لطعنة سكين، بين أضلاعك. طالما قلت لك إن أولئك السفلة سوف يقتلونك»، ابتسم السيـد ماك غووان، قائلا: «ليسوا هم… ليس أي من السفلة، لكنك قد أصبت التشخيص بالتمام… إنه تحت معطفي، قرب أضلاعي، يعني! يا آيكي… روزي وأنا سوف نهرب الليلة ونتزوج.

شدد «آيكي» قبضته على الجرن، بإضافة الوسطى إلى السبابة على حـافـة الجـرن. ضـرب الـجـرة بالمدقـة ضـربـة قوية، لكنه لم يشعر. في تلك الأثناء، كانت ابتسامة «ماك غـووان» قد خبت، لتحل محلها كآبة حيرى.

وأضاف: «هذا … إذا بقيت على رأيها إلى حين حلول الموعد. لقد كنا نرتب أمورنا من أجل الهرب، طوال أسبوعين، أحيانا تأتي وتقول إنها ستهرب، لكنها في مساء اليوم ذاته، تغير رأيها، اتفقنا على الليلة، والتـزمـت «روزي» بوعـدهـا هـذه المرة، طوال يومين کاملين. لكن، يتبقى للمـوعـد خمس ساعات، وأخشى أن تخيب أملي حين نبلغ لحظة التنفيذ».

سأل «آيكي»: «لقد قلت إنك تريد أدوية؟».

 

بدا على السيد «ماك غووان» الاضطراب والضيق، على عكس سيرته المعتادة. أمسك بنشرة تسجيل دواء ولفها وثبتها بعناية غير مجدية حول إصبعه.

قال: «لن أترك هذه الإعـاقـة المتكررة، تؤدي إلى بداية فاشلة هذه الليلة، ولو كلفني الأمر مليونا، لدي شقة صغيرة جاهزة في هارليم، بالمفرش على المائدة، وركوة جاهزة للتسخين. اتفقت مع الواعظ ليكون مستعدا في بيته، في الساعة 9,30، يجب أن ينفذ الأمر. وإذا لم تغير روزي رأيها مرة أخرى!… توقف السيد «ماك غووان» عن الكلام، وقد سيطرت عليه الظنون. قال «آيكي» باقتضاب: «لا أرى إذن حتى الآن ما الذي يجعلك تتحدث عن الأدوية، ما الذي يمكنني أن أفعله بخصوصها». واصل طالب الزواج القلق كلامه، ملتفتا إلى تنظيم محاججته:

«ريدل العـجـوز لا يحبني بعض الشيء… طوال أسـبـوع لم يدع روزي تخطو خارج البيت برفقتي. ولو لم تكن هناك خسارة لمستأجر، لكانوا قد تخلصوا مني منذ وقت طويل. إنني أكسب 20 دولارا في الأسبوع، ولن تندم على الفرار من الحظيرة، مع «تشانك ماك غووان».

قال «آيكي»: «المعـذرة يا تشـانك، إن عليّ أن أحـضـر وصـفـة سرعان ما يطلبها صاحبها».

قال «ماك غووان» وقد بدأ عليه الانتباه المفاجئ: «قل… قل، يا آيكي، أليس هناك دواء، نوع من المساحيق، تجـعـل الـفـتـاة تحبك أكثر إذا ما أعطيتها إياها؟

زم «آيكي» شفته العليا بتعالي المتفوق في المعرفة، لكن قبل أن يتمكن من الإجابة، واصل «ماك غووان» كلامه:

قال لي «تيم لايسي» إنه حصل على بعض منها، مرة من خزاف في طرف المدينة، وأسقاها لفتاته، بعد إذابتها في ماء الصودا. ومـا أن تناولت الجـرعـة الأولى، حـتـى أصبح في نظرها بطلا، وأصبح كل شخص آخر، يبدو تافها بالنسبة إليها، وتزوجا خلال أقل من أسبوعين.

كان «تشانك ماك غووان» قويا وبسيطا، وكان بمقدور من يفهم الرجال أكثر من «آيكي»، أن يلاحظ أن بنيته القوية كانت مشدودة بخيوط رقيقة. وكجنرال جيد يوشك على غزو منطقة العدو، كان يسعى إلى حماية كل نقطة، من أي فشل ممكن.

واصل «تشـانك» كـلامـه آمـلا: «فكرت… أنه لو كان لدي أحد هذه المساحيق، لأعطيه لـ روزي، حين أراها على العشاء الليلة، فسوف يمكنني أن أجذبها، وأحول بينها وبين التراجع عن فكرة الهرب. أظن أنها لا تحتاج إلى قطيع بغـال لجـرها بعيدا عن البيت، لكن النساء أفضل في الركوب منهن في الجري. إذا كان ذلك الشيء سينجح فقط لمدة ساعتين، فإن الحيلة ستمر».

سأل آيكي: «متى سيتم القيام بحماقة الهرب هذه؟».

قال السيد ماك غووان: «في الساعة التاسعة… العشاء سيكون السابعة، في الثامنة تذهب روزي إلى فراشها مدعية الصداع، في التاسعة يسمح لي بار فينزانو العـجـوز بالعبور إلى ساحة بيته الخلفية، حيث يوجد لوح لاجتياز سياج بيت ريدل المجاور، أذهب إلى أسفل نافذتها، وأسـاعـدها على الهبوط عن طريق مـخـرج الحريق، علينا القيام بهذا العمل مبكرا، من أجل الواعظ، الأمر كله سيفشل إذا لم تهرب روزي عند إعطاء الإشارة، هل تستطيع أن تمدني بواحد من هذه المساحيق، يا آيكي؟». .

مسح «آيكي» أنفه ببطء، ثم قال: «يا تشانك، إنها من الأدوية التي تتميز بطبيعة خاصة، توجب على الصيادلة أن يولوها عناية خاصة، وحدك من بين معارفي أستطيع أن أئتمنك على مسحوق كهذا، ومن أجلك سوف أقوم بتحضيره، وسوف ترى كيف يجعل روزي تفكر بك».

دخل «آيكي» وراء مكتب الوصفات، حيث طحن قرصين قابلين للإذابة، كل منهمـا يـحـتـوي ربع قـمـحـة(أداة للوزن) من «المورفين». وأضـاف إليهـمـا قليلا من مسحوق الحليب، حتى يزيد كميتهما، وغلف المزيج بورق أبيض بشكل أنيق. إذا ما تناول شخص كـبـيـر هذا المسـحـوق فـسـوف يغـرق فـي نـوم عـمـيـق لـعـدة سـاعـات من دون الإضرار بالنائم. سلم الدواء إلى «تشانك ماك غووان»، قائلا له أن يعطيه لها مذابا في سائل، إن أمكنه ذلك، وانهال عليه الشكر الصادر من قلب عاشق الساحة الخلفية.

يتضح ذكـاء مـا قـام به «آيكي» من خلال الحديث عن خطوته التـالـيـة. أرسل إلى السـيـد «ريدل»، من يفضح له خطط الـسـيـد «ماك غووان» للفرار مع «روزي». وكان السيد «ریدل» رجلا قويا، حنطي البشرة، وفوري الحركة.

قـال باقـتـضـاب إلى آيكي: «أنا ممتن لك… يا له من مـتـشـرد كسول! إن غرفتي تقع تماما فوق غرفة روزي. لن أحتاج إلى أكثر من الذهاب إلى هناك بنفـسـي بعـد العـشـاء، وأحـشـو سـلاحي، وأنتظر، إذا أتى إلى ساحتي الخلفية، فإنه حـتـمـا سـيـهـرب في سيارة إسعاف، بدلا من عربة زفاف.

بوقوع روزي في براثن «المورفين» طوال ساعات تقضيها في نوم عميق، وبالأب المتعطش للدم في الانتظار مسلحا ومستعدا، شعر «آيكي» أن منافسه يسير، فعلا، إلى الفشل الذريع. أمضى الليل بطوله في «صيدلية النور الأزرق»، ساهرا على واجبه ينتظر أخبار المأساة، لكن ما من أحد أتاه بأي خبر.

في الساعة الثامنة من صباح اليـوم التالي، جاء المناوب النهاري، وأسرع «آيكي» إلى السيدة «ريدل» ليعرف النتيجة. يا للمفاجأة! ياللعجب! ما أن خطا خارج الصيدليـة لـم يشاهد سوی «تشانك ماك غووان» خارجا من سيارة مارة، وأمسكه من يده… «تشانك ماك غووان» تعلو ملامحه ابتسامة المنتصر، ويفيض من الفرح.

قال «تشانك» ضاحكا ضحكا موحيا «اقتلعتها … وصلت روزي مـخـرج الـحـريق في الوقت المحدد بالثـانـيـة، وكانت في اللحظة الأخـيـرة لدى الواعظ في الساعة 9.30. إنها مستيقظة في الشـقـة… أعـددت بـيـضـا هذا الصباح، وكانت ترتدي «كـيـمـونـو» أزرق… يا الله! كم أنا مـحـظوظ! يجب أن تمر بنا ذات يوم، يا أيكي، وتتناول الطعام معنا. حصلت على عمل هناك قرب الجسر، حيث أتجه الآن».

سأل «آيكي» متلعثما «الـ… الـ… مسحوق؟».

قال تشانك بابتسـامـة عـريضـة «آه، تلك المادة التي أعطيتني إياها! حسنا. صـار الأمر بالطريقـة التـالـيـة، جلست إلى مائدة العـشـاء الليلة الماضية في بيت ريدل، ونظرت إلى روزي، وقلت لنفسي يا تشانك، إن كنت ستأخذ الفتاة، فخذها في الميدان، لا تحاول أيا من أساليب التحايل مع فتاة أصيلة مثلها، واحتفظت بالورقة التي أعطيتني إياها في جيبي، ثم وقع اخـتـيـاري على طرف آخـر كـان حـاضـرا، والذي قلت لنفسي إنه يفشل في إيلاء صهره المستقبلي الحب اللازم، وعلي أن أترقب حظي وأذيب ذلك المسحوق في قهوة ريدل العجوز… فهمت؟!».

ج.م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى