غير مصنفمختارات

أيوة يا واد!… قصة قصيرة

عادل رفاعي

انتصف النهار وما زال الضجيج مستمرا ، ما زالت الأصوات تردد خلف أغنيات الأفراح المنبعثة من شرائط الكاسيت بالمنزل المجاور .

يصدح صوت شادية : يا دبلة الخطوبة عقبالنا كلنا .. يليه فريد الأطرش دقوا المزاهر يا أهل البيت تعالوا ..

أسند رأسه الحليق إلى كفه وهو يرقب أمه تمر أمام نافذة الصالة بين حين وآخر لتلقى نظرة طافحة بالفضول على ما يحدث فى الشقة المقابلة عبر الممر الضيق الذى يفصل البيتين ثم تعود لشأنها وقد علت وجهها ابتسامة خفيفة يملؤها الرضا .

علا صوت أغنية جديدة أخذ الحاضرون يرددون معها :

.. أيوة يا واد .. وعرفت تنقى

أيوة ياواد .. خدت الأمورة

راحوا يكررون .. أيوة ياواد .. إلخ

وفى المرة الثالثة استطاع تمييز صوت يعرفه جيدا يصيح بنبرة حماسية علت جميع الأصوات .. أيوة ياواد .. وعرفت تنقى

واصل الانصات وقد علت الابتسامة شفتيه .. نعم بالتأكيد هو صوتها .. لم يسمعه من قبل بهذه النبرة ولا بهذا الحماس ولكنه .. نفس الصوت ، لا شك أنها تتعمد الاقتراب من النافذة حين تردد هذه العبارات .

كان صوتها يأتيه همسا فى المساء عبر الممر الضيق لدرجة أن

يمد كلاهما ذراعه فيلتقى الكفان فى عناق صامت تحت جنح الظلام .

وحين كان يستعد للسفر إلى العاصمة قالت بقلق وكفها فى كفه :

” طبعا ستنسى كل شئ حين تلتقى ببنات الجامعة !! ”

اجاب مبتسما لسذاجتها :

الجامعة مكان للدراسة تماما كمكان العمل .. العلاقات لا تعدو الزمالة .. ليست للحب كما تظهرها أفلام السينما !!

كانت خطاباتها تصله فى المدينة الجامعية ولا يخلو أى منها من نفس القلق فيضحك طويلا ولا يعلق .

لم تكن علاقتهما رغم كل محاولاته لتخفى على الأم التى لم تحاول مصارحته وإن كانت تبدى دائما اندهاشها من جرأة بنات هذه الأيام !

كانت تحرص فى نفس الوقت على ترديد شكاوى جارتها من تصرفات زوجها الذى تصفه بأنه .. صاحب مزاج .. ينفق على مزاجه أولا قبل بيته فيضيف والده .. نعم قابلته مساء الأمس وحين رد تحيتى فاحت من فمه رائحة الكحول .

حين أنهى دراسته الجامعية كانت ما زالت فى السنة الثانية فى إحدى الكليات الإقليمية ليجدها تلح فى إتمام خطوبتهما ..

أجاب بهدوء :

كيف .. وأمامى خدمة عسكرية إجبارية ؟ انسيت أن لى أخ إصغر ؟

أجابت بإلحاح : خطوبة ، مجرد خطوبة ، قراءة الفاتحة ودبلتان

أجاب بدهشة :

معقول ؟ وإلى متى تستمر الخطوبة ؟ وهل يوافق والداك أو والداى على ذلك ؟ وما الداعى للعجلة ؟ على الأقل ننتظر لحين تخرجك .

عبثا حاول إقناعها .. كانت تصم أذنيها تماما وتتعامى عن أى منطق .

خرج أبواه إلى الشرفة لوداعه فى طريقه إلى منطقة التجنيد ، رفع يده محييا واتجهت عيناه إلى الشرفة المجاورة ..

كانت خالية تماما .

انتبه على صوتها يعلو على صوت المجموعة مرددة ..

أيوة يا واد !!

علت الابتسامة وجهه وأخذ يدندن لنفسه :

أيوة يا واد .. وعرفت تنقى

أيوة ياواد .. خدت الأمورة .

 

* تمت *

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى