مقالات

على محمد الشرفاء يروى….  الشيخ زايد… حين يصبح الوفاء وطنا وتصبح الأخوة موقفا لا يتغير

يروي المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في ذكرى رحيل زايد الخير ليست ذكرى وفاة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مجرد استعادة لسيرة حاكم رحل عن الدنيا وإنما هي استحضار لقيمة إنسانية وسياسية نادرة لرجل أدرك أن عظمة القيادة لا تقاس بما تملكه من ثروة أو بما تمتلكه من نفوذ وإنما بما تتركه من أثر في حياة الشعوب وما تزرعه من محبة في وجدان الأمم ويروي المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي الذي عمل مديرا لديوان الشيخ زايد على مدى ربع قرن تفاصيل من سيرة قائد استثنائي عرفه عن قرب وعايش مواقفه الإنسانية والسياسية وشهد كيف تحولت مبادئه إلى مواقف راسخة لا تغيرها المصالح ولا تبدلها الظروف يقول الشرفاء الحمادي إنني حين أتحدث عن الشيخ زايد لا أتحدث عن قائد عرفته في صفحات التاريخ فقط وإنما أتحدث عن إنسان عايشته ربع قرن وكانت لي معه رحلة طويلة من العمل والمواقف والحوارات التي كشفت لي أنني أمام قائد لا ينظر إلى السياسة باعتبارها حسابات مصالح عابرة وإنما باعتبارها مسؤولية أخلاقية وتاريخية تجاه الإنسان والأوطان كانت مصر حاضرة بقوة في وجدان الشيخ زايد ولم تكن بالنسبة إليه دولة شقيقة فحسب بل كانت ركنا أصيلا في أمن الأمة العربية واستقرارها وضميرها التاريخي ولن أنسى موقفه العظيم عندما وقفت مصر وسوريا في مواجهة العدوان عام 1973 فاختار أن يجعل من النفط العربي سلاحا في معركة الكرامة وقال كلمته التي اختصرت فلسفته في الانتماء والمروءة: «النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي» لم تكن تلك الكلمات شعارا سياسيا للاستهلاك الإعلامي بل كانت ترجمة عملية لإيمان عميق بأن الدم العربي واحد وأن المصير المشترك لا يقبل المساومة وأن من يتخلف عن نصرة شقيقه في لحظة المحنة إنما يتخلى عن جزء من كرامته وتاريخه وكان الشيخ زايد يرى أن الوقوف إلى جانب مصر ليس منة يمنحها أحد ولا موقفا تحكمه الظروف بل واجب تفرضه الأخوة والجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك وقد أوصى أبناءه بأن يكونوا دائما إلى جانب مصر وأن يحافظوا على مكانتها ودورها وأن يدركوا أن قوة مصر من قوة الأمة العربية وأن استقرارها ليس شأنا مصريا وحده بل ضرورة عربية لا تحتمل التفريط ولم تتوقف مواقفه عند حدود الدعم السياسي والاقتصادي فقد امتدت أياديه البيضاء إلى إعادة إعمار مدن القناة التي تحملت قسوة الحروب ومرارة التهجير كما ساند مصر في بناء قدراتها العسكرية وقدم لها دعما جويا في مرحلة كانت فيها مصر في أمس الحاجة إلى كل سند يعيد إليها قوتها ويعزز قدرتها على حماية أرضها ويضيف الشرفاء الحمادي أن من أكثر ما يميز الشيخ زايد أنه لم يقبل أن تظل مصر معزولة عن محيطها العربي عقب الخلافات السياسية التي أحاطت بها فقد سعى إلى رأب الصدع وفتح أبواب العودة وإعادة وصل ما انقطع بين مصر وأمتها العربية لأنه كان يدرك أن الأمة التي تتخلى عن أحد أعمدتها تفقد توازنها وأن الخلاف مهما اشتد لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة دائمة لقد كان زايد رجل مصالحة لا رجل خصومة وبناء لا هدم وجسور لا أسوار وكانت أياديه البيضاء تمتد إلى كل قطر عربي ينزف وإلى كل شعب يحتاج إلى من يخفف عنه آلامه دون أن ينتظر مقابلا أو يبحث عن مجد شخصي ومن خلال سنوات عملي معه أدركت أن التسامح في شخصيته لم يكن ضعفا وأن الكرم لم يكن مجرد عطاء مادي وأن المحبة لم تكن كلمات تقال في المناسبات بل كانت منهجا في الحكم ورؤية للحياة وإيمانا بأن الإنسان هو الغاية الحقيقية لكل جهد سياسي واقتصادي كان يزرع الأمل حيثما حل ويطفئ نيران الخلاف كلما استطاع ويؤمن بأن الثروة التي لا تتحول إلى خير للناس تفقد معناها وأن الدولة التي لا تحمل رسالة إنسانية تتجاوز حدودها تظل أسيرة جغرافيتها مهما اتسعت إمكاناتها إن الشيخ زايد لم يكن حاكما لدولة فحسب بل كان صاحب رؤية عربية تجاوزت حدود الجغرافيا والمصالح الضيقة فقد آمن بأن قوة العرب في تضامنهم وأن الخلافات مهما تعاظمت لا ينبغي أن تهدم جسور الأخوة وأن الأوطان لا تبنى بالمال وحده وإنما تبنى أيضا بالمواقف النبيلة والقلوب التي تتسع للجميع لقد رحل زايد الجسد وبقيت سيرته شاهدة على أن الرجال العظام لا يغيبون حين تغيب أجسادهم لأنهم يتركون في ضمير الشعوب ما هو أبقى من العمر وأعمق من السلطة وأقوى من النسيان رحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي لم يجعل من ثروة بلاده سورا يفصلها عن أشقائها بل جعلها جسرا للخير والمحبة والتضامن رحم الله رجلا أحب مصر فكان حاضرا في محنتها وساند سوريا في معركتها وأغاث الملهوف في كل مكان وترك لأبنائه وللأجيال العربية وصية تتجاوز حدود السياسة إلى جوهر الأخوة والوفاء إن زايد لم يكن حاكما لدولة فحسب بل كان ضميرا عربيا حيا ولذلك استحق أن يحمل اسمه أجمل الألقاب… زايد الخير

 

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى