د. معتز صلاح الدين يكتب ..حين يتحول الكذب والغش والخداع إلى مهنة مربحة

في زوايا الاقتصاد غير المعلن، يزدهر نوع خاص من “المهنيين” لا ينتجون شيئًا ملموسًا، ولا يقدمون قيمة حقيقية، لكنهم يجيدون فنًا واحدًا بامتياز: إقناع الآخرين بأنهم يعملون. هؤلاء ليسوا مجرد كسالى يتهربون من الجهد، بل هم مهندسو أوهام محترفون، يبنون واجهات كاملة من الانشغال المصطنع، والاجتماعات التي لا تفضي إلى شيء، والمشاريع التي تتبخر عند أول محاولة جادة لفحصها عن قرب.
المفارقة أن هذا النوع من الخداع لا يحتاج إلى عبقرية إجرامية، بل إلى فهم دقيق لنقطة ضعف إنسانية بسيطة لدى نسبة كبيرة من الناس : الناس يميلون إلى تصديق من يتحدث بثقة، ويفترضون حسن النية فيمن يظهر مشغولًا. المحتال الماهر لا يكذب كذبة كبيرة يسهل كشفها، بل ينسج شبكة من الكذبات الصغيرة المتماسكة، كل واحدة منها معقولة بمفردها، لكن مجموعها يبني هرمًا كاملاً من الوهم يقف على أرض هشة لا يراها أحد لأن لا أحد يكلف نفسه عناء النظر تحت السطح.
وثمة نمط متكرر في هذه الظاهرة، سواء تحدثنا عن موظف يتقاضى راتبًا مقابل عمل لا وجود له، أو مقاول يقبض دفعات مقدمة عن مشاريع لن تكتمل أبدًا، أو “خبير” يبيع استشارات فارغة بأسعار باهظة وهكذا : الثقة الزائدة عن الحد هي العملة الحقيقية التي يتاجرون بها. فبينما الشخص الكفء غالبًا ما يتحدث بحذر، مدركًا حدود معرفته، يتحدث المحتال بيقين مطلق، لأن اليقين، لا الصدق، هو ما يبيع.
والأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الأفراد المنعزلين، بل تجد أحيانًا بيئات كاملة تحتضنها وتغذيها، حين تكافئ المؤسسات مظاهر الإنتاجية بدلاً من جوهرها، وحين تصبح المهارة في العلاقات العامة أكثر قيمة من المهارة في العمل ذاته. عندها يتحول الإحتيال من انحراف فردي إلى نظام كامل يعيد تشكيل معايير النجاح، فيصعد فيه من يتقن التمثيل، ويتعثر من يتقن الإنجاز الصامت.
لكن خلف هذا السلوك، ثمة بُعدا أعمق يستحق التأمل. فالإنسان الذي يبني حياته كلها على الخداع لا يخدع من حوله فقط، بل يخدع نفسه أولاً، ويعيش في حالة انفصال دائم بين الصورة التي يعرضها والحقيقة التي يعرفها وحده. وهذا الانفصال، مهما بدا مربحًا ماديًا، يحمل ثمنًا نفسيًا باهظًا: فقدان الإحساس بالمعنى والقيمة … فالعمل الحقيقي، مهما كان متواضعًا، يمنح صاحبه شعورًا بأنه أضاف شيئًا إلى العالم، أما الإحتيال، مهما جنى من مال، فلا يترك خلفه سوى فراغ يتكرر ولا يضيف له قيمة ، لأن ما لم يُبنَ بجهد حقيقي لا يمكن أن يمنح شعورًا حقيقيًا بالإنجاز.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الثروة والنجاح: يمكن للمحتال والمخادع الكاذب أن يجمع ثروة، لكنه لا يستطيع أن يشتري بها الإحساس الداخلي بالجدارة، ذلك الشعور الذي لا ينبع إلا من مواجهة تحدٍ حقيقي والانتصار عليه بجهد صادق. لذلك كثيرًا ما نجد هؤلاء، حين تُكشف حيلهم أو حتى حين تبقى طي الكتمان، يعيشون قلقًا دائمًا لا يفارقهم فيحاربوا الشرفاء و الناجحين صدقا لا احتيالا لأن كل بناء زائف يحتاج إلى حراسة مستمرة كي لا ينهار.
وفي مجتمعاتنا العربية تحديدًا، حيث تلعب العلاقات الشخصية والانطباعات الاجتماعية دورًا كبيرًا في تقييم الناس، تجد هذه الظاهرة تربة خصبة بشكل خاص. فالمظهر الاجتماعي، وإجادة الخداع ونسج القصص الكاذبة والقدرة على الحديث بلغة “النجاح”، قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من السجل الفعلي للإنجاز. وتلك ظاهرة عربية بامتياز، والمحتال يتخذ أشكالًا محلية تتغذى على بنية اجتماعية بعينها.
المواجهة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تبدأ من فضح الأفراد فحسب، بل من إعادة بناء المعايير التي تكافئ الجوهر لا المظهر، والنتيجة لا الأداء التمثيلي. فحين تصبح الشفافية والمساءلة جزءًا أصيلاً من ثقافة العمل، يضيق المجال أمام من يتقنون فن الظهور بلا مضمون. وحتى ذلك الحين، يبقى أفضل حصن هو وعي الأفراد أنفسهم، ورفضهم أن يُقاسوا بغير ما يقدمونه فعلاً، وإدراكهم أن القيمة الحقيقية لأي عمل لا تُقاس بما يُقال عنه، بل بما يبقى منه حين يزول الضجيج.
أما الثروات الحرام التى يجمعها هؤلاء المحتالين فإنها ستكون وبالا عليهم فى الدنيا والآخرة ولو بعد حين
“وما ربك بظلام للعبيد”



