قصة: قلب مفتوح بقلم الكاتبة الروائية هويدا حجاجي أحمد

كانت فتاة في العشرين من عمرها، في ربيعٍ لا يزال طريًّا على ملامحها، اسمها ندى. جميلة إلى حدٍ يجعل العيون تتوقف عندها قليلًا قبل أن تمضي. جمالها هادئ وبريء، وكانت ملامحها الرقيقة تشبه إلى حد كبير ملامح الفنانة Hana El Zahed في نعومتها وأنوثتها. منذ طفولتها اعتادت أن تسمع عبارات الإعجاب من كل من يراها، لكنها لم تكن متباهية بجمالها، بل كانت فتاة رقيقة القلب تميل إلى الصمت أكثر مما تميل إلى الضجيج. في إحدى الأمسيات، وخلال حفل عيد ميلاد بسيط أقامته شقيقة شاب يعمل في السلك الدبلوماسي، رآها للمرة الأولى. كان في الثلاثين من عمره، يعمل سفيرًا لإحدى الدول الأجنبية، اعتاد السفر والتنقل بين العواصم ورؤية وجوه كثيرة تمر في حياته دون أن تترك أثرًا. لكن ندى لم تكن كغيرها. منذ اللحظة الأولى التي التقت فيها عيناه بعينيها شعر أن شيئًا ما قد استقر في قلبه. كانت ندى يومها في رحلة مع والدها، رجل الأعمال المعروف، ولم تكن تدري أن تلك الأمسية الصغيرة ستفتح باب قصة حب كبيرة. لم يحتج الأمر إلى وقت طويل حتى يعلن إعجابه بها، ولم تحتج هي إلى كثير من التفكير لتشعر أن هذا الرجل يحمل لها صدقًا حقيقيًا. بدأت الحكاية بهدوء، ونمت بينهما مشاعر صافية، حتى أصبحت ندى خطيبته.
لكن خلف هذا الجمال الهادئ كان هناك سر صغير يختبئ في صدرها. قلبها لم يكن قويًا كما يبدو. نصحها الأطباء كثيرًا بالهدوء والابتعاد عن الانفعال أو التعب، فالقلب الذي ينبض داخلها يحتاج إلى عناية أكبر من قلبٍ عادي. كانت تستمع إلى النصائح أحيانًا وتتجاهلها أحيانًا أخرى، فهي لا تريد أن تشعر بأنها مريضة، بل تريد أن تعيش حياتها كأي فتاة في عمرها، أن تضحك، أن تحب، وأن تحلم دون خوف.
إلى أن جاء ذلك اليوم القاسي.
في لحظة مفاجئة، وبينما كانت تتحدث مع أسرتها في البيت، شحب وجهها فجأة، وارتجف جسدها قليلًا، ثم سقطت مغشيًا عليها. تعالت الصرخات في البيت، وارتبكت الأم، بينما أسرع الأب يطلب الإسعاف. كان جسد ندى ساكنًا كزهرة فقدت ماءها فجأة. نُقلت بسرعة إلى المستشفى، وأجريت لها الفحوصات العاجلة، وبعد دقائق بدت كأنها ساعات خرج الطبيب بوجهٍ متوتر وقال للأسرة إن الحالة تتطلب إجراء جراحة عاجلة في القلب. ساد الصمت للحظة، كأن الكلمات سقطت ثقيلة فوق رؤوسهم، ثم بدأت الإجراءات بسرعة، ونُقلت ندى إلى غرفة العمليات.
بقيت الأسرة في الخارج أمام الباب المغلق. كان الممر طويلًا وباردًا، والإضاءة البيضاء تزيد القلق برودةً وثقلًا. جلس الأب على مقعدٍ معدني يحدق في الأرض. رجل اعتاد السيطرة على كل شيء في عالم المال والأعمال، لكنه الآن عاجز أمام باب مغلق لا يستطيع أن يفعل شيئًا حياله. الأم كانت تضم يديها وتتمتم بالدعاء بصوت خافت، وعيناها لا تفارقان باب غرفة العمليات. أما خطيبها فكان واقفًا قرب الجدار، يمشي بضع خطوات ثم يعود، كأن الأرض ضاقت عليه. رجل اعتاد مواجهة المواقف السياسية الصعبة بهدوء، لكنه الآن يشعر أن العالم كله قد ينهار لو خرج الطبيب بخبر سيئ. أما أختها الصغيرة فجلست في زاوية الممر تبكي بصمت، لا تفهم كل التفاصيل، لكنها تدرك أن أختها التي كانت تضحك معها قبل أيام تقاتل الآن شيئًا لا تراه.
في الداخل كان عالم آخر قائمًا.
غرفة العمليات غارقة في ضوء أبيض ساطع. الأطباء والممرضات اصطفوا حول الطاولة الجراحية، والأدوات مرتبة بعناية: المشرط، المقص، الملاقط، الإبر الجراحية. كل أداة في مكانها، وكأنها جزء من طقس دقيق للحياة. الأجهزة الطبية تصدر أصواتًا منتظمة تشبه إيقاعًا خافتًا للنبض.
قال طبيب التخدير وهو يراقب الشاشة أمامه:
“الضغط مستقر… 110 على 70… والنبض 82.”
رد الجراح دون أن يرفع عينيه عن موضع العملية:
“حافظوا على مستوى الأوكسجين… سنبدأ فتح عظم القص.”
ناولته الممرضة المشرط بهدوء، ثم قال بعد لحظات:
“استعدوا لتشغيل جهاز القلب والرئة الصناعي.”
أجاب مساعده:
“القسطرة في مكانها… ومستوى التخثر طبيعي.”
كانت الكلمات قليلة، لكنها دقيقة، ولغة العيون بين الأطباء تكمل ما لا يُقال. اقترب الجراح من القلب الصغير وقال بصوت منخفض:
“هناك تضيق في الصمام المترالي… سنقوم بإصلاحه.”
مرت الدقائق ببطء شديد. العرق بدأ يظهر على جبين الطبيب، لكن يده بقيت ثابتة. قال طبيب التخدير وهو يراقب الشاشة:
“تشبع الأوكسجين 98%… الحالة مستقرة.”
وفجأة تغير صوت الجهاز.
نظر طبيب التخدير إلى الشاشة بقلق وقال بسرعة:
“النبض ينخفض!”
اقترب الجراح أكثر وهو يراقب التخطيط.
ثم قال طبيب التخدير بصوت متوتر:
“القلب… توقف.”
ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ قليلة، لكنها بدت وكأن الزمن كله توقف معها. قال الجراح بسرعة وحزم:
“جهّزوا الصدمة الكهربائية.”
أسرعت الممرضة بجهاز الصدمات.
وضع الطبيب المجسات فوق القلب.
“شحنة… 20 جول.”
ضغط الزر.
ارتفع الجسد قليلًا ثم عاد ساكنًا.
الجميع يحدق في الشاشة.
خط مستقيم.
قال المساعد بقلق:
“لا استجابة.”
قال الجراح بصوت حازم:
“شحنة ثانية… بسرعة.”
ضُبط الجهاز مرة أخرى.
“شحنة… 30 جول.”
ضغط الزر.
لحظة صمت ثقيلة…
ثم فجأة ظهر خط صغير على الشاشة.
نبضة.
ثم نبضة أخرى.
قال طبيب التخدير بصوت يحمل ارتياحًا واضحًا:
“النبض يعود… 60… 70.”
تنفس الجراح بعمق وقال:
“القلب يستجيب… استمروا.”
في تلك اللحظة، بعيدًا عن الألم، كانت ندى في عالم آخر. تحت تأثير التخدير رأت في حلمها عصفورة صغيرة تمسك بطرف ثوبها وتحلق بها في السماء. كانت الأرض تبتعد شيئًا فشيئًا، والهواء يصبح أكثر صفاء. حلقت العصفورة عاليًا ثم هبطت ببطء، وضعتها فوق غصن شجرة خضراء. كان الغصن دافئًا والسماء هادئة، كأن العالم كله يطمئنها بأن الحياة ما زالت تنتظرها.
في غرفة العمليات عاد الإيقاع إلى الأجهزة.
قال طبيب التخدير:
“الضغط يعود إلى الطبيعي.”
ابتسم الجراح ابتسامة خفيفة وقال:
“لننهي العملية.”
بدأ بعد ذلك مرحلة إغلاق الجرح. الإبرة تمر بخيط دقيق يعيد ما فتحه الألم. قطرات العرق تسيل من وجه الطبيب، لكنه لم يتوقف حتى وضع آخر غرزة. ثم تنفس بعمق وقال:
“الحمد لله… العملية نجحت.”
بعد دقائق فتح باب غرفة العمليات. خرج الطبيب متعبًا ووجهه يلمع بالعرق. وقف الجميع دفعة واحدة. الأب، الأم، الخطيب، الأخت الصغيرة… كلهم ينتظرون كلمة واحدة.
ابتسم الطبيب أخيرًا وقال:
“اطمئنوا… العملية نجحت.”
في تلك اللحظة عاد الهواء إلى صدورهم. بكى الأب دون خجل، واحتضنت الأم ابنتها الصغيرة، وأغمض الخطيب عينيه شكرًا لله.
وفي الداخل، خلف الباب الأبيض، كان قلب صغير قد توقف للحظة… ثم عاد ينبض بقوة أكبر، كأنه يعلن أن الحياة حين تُحبها الأرواح لا تستسلم بسهولة.



