مختاراتمقالات

عليك بالجبل

هاتفنا أحد معجبي الديوان الجديد، وكانت تلك هي المرة الأولى التي نسمع صوته، ونشرف بالحديث معه، ونتمنى ألا تتكرر ما دمنا أحياء، كان – في ظاهر حديثه – مهذبا؛ بيد أنه كان يخفي خلف نغمة (النحنحة) ما يخفي، وكنا على حذر، وهذا المسكين لا يعلم أن ما ساقاه إلينا إلا القدر، فنصبنا له الشرك وأعددنا الفخاخ، فلما اطمئن وسقط في حبائلنا لعننا ولعن هاتفنا ولعن اسمنا ولعن كل من انتهى اسمه بتلك الواو التي لا تشبه إلا الذنب، ولم تضف للاسم إلا معاني الدهاء والمكر.
– مرحبا أستاذنا باعث الديوان من مرقده، ناشر أدب العماليق، والذائد عن لغتنا العريقة وفنونها، قالها وهو متيقن أننا سنتيه عجبنا مثل الطاووس، وأنّا من هؤلاء مرضى النفوس، وكم كان واهما الوهم كله؛ فلسنا ممن تخدعهم تلك الكلمات، إنما يُخدع بها غيرنا ممن يظنون أن العلم والثقافة منحة قد خصّهم الله بها دون سائر الخلق.
– مرحبا بك أخانا، قل لي يرحمك الله أولا: هل ماتت مدرسة الديوان؟! وهل اللغة في حاجة إلى مثلي ومثلك؟! ويبدو أنه أراد أن يقول شيئا ولكنه احرنجم، ثم فتح الله عليه بتلك الكلمات:
(مش العقاد يا أستاذنا مات بردو هو ورفيقاه؟)
– العقاد باق لم يمت، وكذلك رفيقاه!
– كيف هذا أستاذنا؟!
– ما مات من نعيش نحن الآن عيالا عليه، كل من تعرف من الأسماء، وكل من تظن أنه علامة عصره ودرة زمانه تأثر بالعقاد في معظم آرائه إن لم يكن في جميعها، بل إن مبغضي العقاد لا مبرر لبغضهم الرجل إلا أن عقولهم قصرت عن فهمه وإدراك مراده؛ ودعني أقول: أعط أكبر هذه الأسماء مقالا للعقاد، واطلب منه أن يذكر لك ملخصا لما أراده العقاد من المقال، وسوف تعرف أن الرجل لم يمت؛ وإنما الأموات هم تلك الببغاوات، جثث عفنة – وأنت ومثلك كثير – تحسبون أنهم حملة العلم والثقافة.
ويبدو أن صاحبنا لم يكن يتوقع هذا الجواب؛ فعمّ صمت طويل جعلني أعتقد أنه أغلق الخط في وجه هذا الفظ الذي يكلمه، أو أن الله قد قبضه إليه وأراحه من عناء هذا الحوار.
لكنه عاد حزينا مهموما، وقال: (المهم يا أستاذنا: ما رأيك في تصريحات النساء موضوع الساعة؟!)
– أية نساء؟! وأي موضوع؟!
– إيه يا أستاذنا هو حضرتك مش عايش معانا؟!
– لا والله أنا لا أعيش معكم! أنا أعيش مع الديوان، مع العقاد ورفقيه!! ويبدو أنه لم يع ذلكم الجواب فعاد يسأل: إزاي الكلام دا يا أستاذنا؟! مش معقول متكونش سمعت كلام النساء وتصريحاتهن، حول: خدمة الزوج، وضرب الزوج، والإرضاع.
فصدمناه بهذا السؤال: إرضاع الزوج؟!
– لا يا أستاذ إرضاع الأطفال، هو الزوج بيرضع بردو؟! قلنا: وهل يرضع إلا الزوج؟! واستأنفنا: إن إرضاع الأطفال فطرة في كل أنثى أم، ولا خلاف في ذلك، وليس في ذلك ما يدعو إلى العجب، ولما قلتَ:( مش معقول متكونش سمعت التصريحات) ظننت – بوصفي عاقلا أحمل فوق كتفي رأسا يفكر – أن الجديد في التصريح هو موقفهن من إرضاع الزوج!
صمت صاحبنا، فواصلت: دعك من هذا الهراء إنه (كلام نسوان) كما ذكرت، وإن أردت الحقيقة والقول الشافي فعيلك بالجبل؛ فهو خير من يفحم السفلة الجهلاء أتباع كل ناعق، ما ترك مناسبة إلا فضحهم، وهو لهم بالمرصاد.
قطعتُ الاتصال، حاول الاتصال مرارا ولات حين إجابة.

عمرو الزيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى