مقالات

مقال قصصي: سفرة مولانا

د. علي زين العابدين الحسيني

ليس من عادته أن يتصل بي، فوجئت في ذلك اليوم حين دخولي البيت متأخراً أنّ أستاذي العلامة الأجلّ الفرضيّ الحاج شحاته سليم بقة اتصل بي أكثر من مرة، وأنّه يطلب منّي أن أكون أمام بيته في الصباح الباكر.

نشأنا على حب أساتذتنا فلا نرفض لهم طلباً، وعلى هيبتهم فلا نتقدم عليهم في مجلس، وعلى الاستحياء منهم فلا نتكلم في حضرتهم إلا بإذن، وعلى طاعتهم فلا نفعل ما يغضبهم، تستطيع أنتَ مِن وصف تلك الحال أن تدرك مدى أثر التربية التي حصلناها من صحبتهم!

لقد شغلوا فراغنا كله بما وجدنا آثاره بعد فراقهم!

كان الوقت متأخراً لا يحسن أن أتصل به لأستفسر عن الأمر، وعلى كلّ فلن يفيد الاتصال شيئاً؛ لأنّ الاستجابة لأمره واجب، هرولتُ بعد أداء صلاة الفجر مسرعاً إلى قريته، كان الشيخ ينتظرني أمام بيته في طلعته البهية المعروفة بزيّه الأزهريّ الأصيل، وكان من عادته أنّه إذا لبس العمامة الأزهرية فإنّ الأمر جليل ذو شأنٍ عظيم، قد يتطلب سفراً خارج حدود قريته، وهو ما أكده لي.

 

مولانا: أين الوجهة إذن؟

قال لي وهو غاضب -وليس من عادته الغضب إلّا في مثل هذه الحالات-: إلى مدينة طنطا بالقرب من الجامع الأحمدي.

قلت له: أنا خادم لجنابكم الكريم، لكن ما الأمر؟

قال لي: وقفتُ أمس على كتابٍ طبع في مكتبة “دار الصحابة” بطنطا في علم المواريث به بعض الأخطاء الفادحة التي تستوجب عليّ شدّ النكير عليهم، وسرعة تصحيح هذه الأخطاء، وعدم بيع هذا الكتاب إلا بعد إجراء القلم عليه من المتخصصين تصحيحاً وتعليقاً.

إنّي أخاف أن أموت وهذه الأخطاء مبثوثة في الكتب دون إعلان النكير عليها وعلى أصحابها!

ولك أن تتخيل الأمر، فلم يكن سهلاً على شيخٍ جاوز عمره الخامسة والتسعين، وإذا كان أمر السفر صعباً على أمثالي من الشباب؛ فإن الأمر بالنسبة لأستاذنا أشدّ.

ها نحن في طريق سفرنا، تمر الساعة تلو الساعة ونحن نتنقل من سيارة إلى سيارة، والأمر متعب، والسفر مرهق، لكنّ الشيخ في نشاطه المستمر وتيقظه التام، وحفاوته الأصيلة، وكرمه المعهود، فإذا نزلنا موقفاً من مواقف السيارات أخذنا شيئاً من الراحة، سرد فيها بعض أخباره في الأزهر الشريف، وأحواله أيام الطلب.

كانت أحاديثه معي مؤثرة؛ لأني أستوحي منها آثار الذاهبين الأجلة، وأستنشي بواسطتها عبير الذكريات الجميلة!

حافظته قوية، مستوعب أحوال الأشخاص، ملم بأخبار طائفة من العلماء، جامع لحكم القوم، سارد لقصص كثيرة سمعها من أبيه وكبار أهله، يصدق فيه القول: عنده ما لا تسمعه من أحد، ولا تقرأه في كتاب، ولا تشاهده في مجلس.

ما أسعدني بلقياه!

في أثناء الطريق حصلت مواقف عديدة، أغربها أننا وصلنا إلى سيارة كانت تحتاج راكباً واحداً، فكان لا بدّ من الانتظار حتى يأتي إليها هذا الراكب، ثم تنطلق ونركب ما بعدها، لكن هذا ربما يأخذ وقتاً، ومن حرص أستاذنا رأى أن نركب هذه السيارة على وضعها، فما كان مني إلّا أن طلبت منه أن يتفضل مشكوراً مأجوراً بالركوب داخلها، وأنا سأضع رجليّ على الباب، وأمسك بيدي الباب كما هو المألوف، وهذا يتطلب الوقوف مني طيلة الوقت، وهو وقت ليس بالقليل.

رفض الشيخ التسعينيّ رفضاً تاماً، فحاول كثيرٌ من الشباب أن يصرفوه عن رأيه، لم يستطع أحدٌ ذلك، وهنا تتجلى عظمة هذا الشيخ الكبير ابن الخامسة والتسعين، حيث يقف أستاذنا هذه الوقفة الشبابية لساعات.

علق بذاكرتي تلك المقولة المشهورة: “تلك أعضاء حفظناها في الصغر فحفظها الله لنا في الكبر”، فاجتمع في ذهني صورة مشرفة لطاعة الشيخ في صغره وشبابه، حتى تنعم بجميع حواسه وحيويته في شيخوخته.

كان أستاذنا يردد هذه الكلمات: أنا شحاتة الشاب .. أنا شحاتة الشاب.

وجمت أنا، وابتسم هو!

كنت حينئذٍ مترجحاً بين أمرين، كلما ملتُ إلى أحدهما جذبني إليه الآخر، بين طاعة أستاذنا وامتثال أمره، وبين الشفقة عليه حين أراه في هذا الموقف!

وا لَهفَ نفسي عليه!

سمعت شاباً يسأل صديقه: كيف يقدر هذا الشيخ المسن على تلك الوقفة؟!

هي روح الشباب المشرقة!

حقاً إن الروح هي الموطن الأصلي للأعمال العظيمة.

كان أعجب وأطرب ما رأيت ذلك اليوم قوة الشيخ المسن وضعف الشباب!

لم يخطر ببالي يومئذٍ أنّ ذلك واقع، لكنّه وقع!

ما إن وصلنا المكتبة إلا وتكلم أستاذنا مع صاحبها حديثاً طويلًا، وكان في الحقيقة رجلاً مؤدباً يعرف قدر العلماء ومنزلة أستاذنا؛ باعتباره أحد رموز الأزهر الكبار، فوعده بسحب كلّ نسخه من السوق، وأكد له أمامي أنه لن يطبع في مستقبل أيامه أيّ كتاب من كتب علم الفرائض إلا بعد مراجعة أستاذنا، وأخذ إذن خطي بالنشر منه، وإجازته لجميع مسائل الكتاب الحسابية.

لم أجد في نفسي الرغبة الملحة في أن أدخل في حديثهما، فاكتفيت بما أسمعه منهما!

رجع شيخنا من سفرته المباركة وقد حقق بغيته، لكن دار في ذهني عدة تساؤلات، كان لا بدّ من طرحها عليه قبل انصرافي، ما السر الذي يجعل أستاذنا من أجله يقطع كل هذه المسافة؟! كان بإمكانه أن يرسلني، وكان في وسعه أن يتصل بصاحب المكتبة، سيما أن شيخنا شخصية مجتمعية معروفة في الأوساط العلمية، والكلّ حريص على سماع كلامه.

سألته هذا السؤال فكان جوابه: “إني نذرت نفسي لهذا العلم، وأخذت على نفسي العهد أن أقوم بتعليمه ونشره والدفاع عنه، ومن أجلّ أوجه الدفاع تبيين انتحال المحرفين فيه، وها أنا أنصحك نصيحة تنفعك في مستقبل أيامك، اجعل لنفسك فناً تعرف به مع مشاركتك في غيره من العلوم، وتشبع بهذا الفن تحقيقاً وتدريساً وتأليفاً ودفاعاً عنه”.

كنت أعرف ضرورة الأخذ من كلّ فن بطرف والتخصص في فن من الفنون، لكنّ الجديد في هذه الرحلة “وجوب الدفاع عن علمك وتخصصك”.

ماذا يعني هذا الدفاع؟ وكيف أكون مدافعاً؟ أقرّ أنني ساعتها لم أكن متصوراً هذا الدفاع حق التصور، لكن بعد مرور وقت ليس بقصير بدتُ أتخيل هذا الدفاع، وأوجه الدفاع عن العلم.

لم يعد في الإمكان اليوم العثور على تلك التربية العملية والنصيحة العزيزة وا أسفاه!

رب كلمة قليلة تلفظ بها أستاذ من أساتذتك لم تدرك معناها إلا بعد سنوات، وقضاءِ وقت طويل في التعلم والتعليم، هذا ما يجعلنا نشدد دوماً على ضرورة تقييد العلم، حتى لو لم يُفهم هذا العلم في مرحلة من مراحل العمر؛ لأنّه سيأتي بالتأكيد اليوم الذي تدرك فيه جميع المعاني وحقيقة الألفاظ والمصطلحات.

ما أحسنها من مواقف تربوية وكلمات نورانية ترن في أذني على مدار الأيام!

مضى على قولته أكثر من خمسة عشر سنة، قيدتها وأنا في طريقي معه من مدينة “طنطا” إلى مدينة “ميت غمر”، ومنذ ذلك الحين لم أكن أعرف كيف سأستفيد منها، إلا أن جاء هذا اليوم الذي كتبت فيه هذه الكتابة.

هي نصائح عالم أزهريّ كبير قضى في التدريس أكثر من نصف قرن.

وا حزناه! أكلّ ذلك أصبح اليوم ذكرى؟!

في نفسي أن أحيي ذكرى هؤلاء الأعلام بتلك المواقف ما بقي لي قلم يكتب!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى