رئيس التحريرمقالات

حول مستشفى مجدي يعقوي .. سؤال يعكس عمق الأزمة !!!

يسألني بعض المتابعين لما اكتب عن تعرضي الدائم لسلوك المسلمين، وتصرفاتهم التي يصبغونها دائما بالصبغة الدينية ويلبسونها لباسا إسلاميا، على حد زعمهم، يسألني هؤلاء لماذا لا ترى أي شيء في سلوك الإخوة المسيحيين؟، وأجيت على هؤلاء قائلا: أن مَنْ يمكن أن يتعرض لأهل دين هو من ينتمي إليه، حيث أنه يدرك لدرجة كبيرة دلالات التصرفات ومعاني الأفعال، من خلال تبحره وتعمقه مرة في العقيدة التي ينتمي إليها، وأخرى في نفسيّة أهل تلك العقيدة وما يحركهم للإتيان بذلك الفعل أو ذاك السلوك، ومن هنا كان انشغالي واشتغالي بما يصدر عنا، ولعل أكثر من ترك أثرا في نفسي من هذه الناحية كل من الفرنسيَّيْن: المسرحي الكبير موليير والفيلسوف الكبير فولتير، فكلاهما اهتم كثيرا بكشف تلك العورات التي تعتري المجتمع الفرنسي كلٌّ في عصره.

أُومِن إيمانا عميقا لا يتزعزع بنفاسة معدن شعبنا المصري، وأردد على مسمع أبنائي الذين يعترضون على بعض سلوك شعبنا أثناء رحلاتهم إلى مصر أن هذا الشعب مثله مثل الذهب الذي لا يصدأ وأن حفنة التراب التي تسبب تلك الأزمة الفكرية والثقافية والاجتماعية والإنتاجية والاقتصادية، تلك التي غطت اللون الأصفر اللامع، لا تلبث أن تنقشع بمجرد أن تزيحها يد تعمل لصالح هذا الوطن فتعيد إليه قِيَمَه التي حجبتها تلك الغمة التي تضرب بخيامها على وطننا منذ عدة عقود، وهو ما أُومِن أيضا أن القيادة الحالية تعمل عليه، وهو ما يبدو واضحا جليا في حديث الرئيس السيسي الذي لا يفتأ يستحث المصريين بكل قوة ليستخرج مكنون نفوسهم لإحياء القيم المصرية الأصيلة والروح الخلاقة.

ستظل مصر ولادة، تمنح العالم دوما من يساهم في تقدم ورقي البشرية، وذلك للا شيء سوى لأنه ينتمي لهذا المعدن النفيس الذي تحدثت عنه آنفا، وستظل مصر تقدم نماذج يُضْرَبُ بها المثل، وفي عصرنا الحديث، يظل الدكتور مجدي يعقوب جراح القلب العالمي خير مثل تقدمه مصر للعالم: علميا وإنسانيا وأخلاقيا، وقبل وبعد ذلك وطنيا، فلقد حفر اسمه في سجل عظماء الطب كأعظم جراح للقلب في العالم، ولم يتاجر بتلك المهنة السامية فقدم نموذجا إنسانيا فريدا، في سلوك أخلاقي مبهر، يُتَوِّجُه بحب لا متناهي لوطنه الذي عاش في قلبه وعقله ووجدانه، ويضرب لزهد المقتدر، وليس العاجز، نموذجا يظل نبراسا ليس فقط لعوام البشر بل لخواصهم، ذلك الزهد الذي يضعه في مصاف القديسين.

في منتصف تسعينات القرن الماضي كان مقررا في كتاب قراءة الصف الثالث من المرحلة الإعدادية موضوعا عن الجراح العالمي الشهير مجدي يعقوب، غَفَل، عن عمد مُتَفَهَّم، ديانته المسيحية، وركز فقط على مصريته، ولكني، كنت – وأنا أمارس التدريس آنذاك – أذكر لأبنائنا التلاميذ أنه قبطي، وأغرس فيهم أن فخرنا يجب أن يتجاوز فكرة العقيدة، التي هي لله، أما الوطن فهو للجميع، في محاولة مني لفتح أعين هؤلاء الصبية أن هناك قواسم مشتركة في الوطنية والإنسانية، وأن فخرنا بالقبطي مجدي يعقوب لا يقل عن فخرنا بنجيب محفوظ المسلم.

وبعد مرور عقدين من الزمان يستمر يعقوب في ممارسة دوره الطبي والإنساني والوطني، فيقيم مركز مجدي يعقوب للقلب في أسوان، يقدمه هدية خالصة لأبناء وطنه، والمركز بكل تأكيد قيمة كبيرة تعيد لمصر موقعها المتميز كمقصد علاجي فضلا عن علاجه لأبناء الوطن بالمجان، الذي هو هدفه الأساسي، ولقد انتشرت الحملات الإعلانية التي تحث القادرين على التبرع لهذا الصرح الطبي العالمي، ولأننا أيضا لن نعدم الخيِّرين في مصر، فلقد تفاعل مع هذه الحملات أبناءٌ من شعبنا، في سلوك يتفق وطبيعة المصري، ولكن أذهلني من سألوا رجال الدين الإسلامي عن شرعية التبرع لمركز مجدي يعقوب ” القبطي “!! ما عكس عقلية عقيمة ترعرعت في ثقافة مضمحلة، مُتَصَوِّرة أنها ترضي الله، وتُحِيل كل تصرفاتها لإرضائه سبحانه وتعالى، وما هي إلا عقول مريضة، غشَّى فطرتها! الإنسانية طبقة عفنة سميكة، علينا أن نعمل كثيرا لكي ننجح في إعادتها إلى تلك الفطرة الإنسانية، وإن كان السؤال قد أذهلني، فإن الإجابة عليه، والتي يعتبرونها عبقرية، قد صدمتني، وكشفت عمق الأزمة، حيث ذكر الشيخ! أن مجدي يعقوب لم يسألني عن ديانتي حينما ذهبت للعلاج، وهي إجابة ربما يفهمها من يفقهون القياس العكسي، ولكن من يطرح سؤال كهذا إنما يكشف عن عقل، أقل ما يوصف به أنه مريض، وهذا ما لم يفهمه الشيخ، الذي من المفترض أن يستوعب عمق الهوة التي أُرْدِينا فيها، فكان لزاما على الشيخ العبقري! أن يجيب إجابة مُؤصَّلة لهؤلاء، الذين هم مشاريع إرهابيين، فالذي يسأل عن شرعية التبرع لمستشفى أيا من كان صاحبها، حتى ولو كان لا ينتمي لأي دين، فهو بكل تأكيد رافض رفضا تاما لوجود أمثال مجدي يعقوب، وحاقد عليهم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى