مقالات

لم أفهم البحر

بقلم / محموددرويش

 

لم أفهم البحر… ولا يفهمني. ألأنني كدت أغرق يومًا؟! لا أدري. ولا أحبه. هو عندي مُرادف للتيه والارتباك. لا تدري ماذا يُخبئ، ولا يُمكن سبر أغواره. أمواجه كأفاعي ميدوسا. تسحر الضحايا. تجتذب الواهمين. حتى إذا أمسكتهم لم تفلتهم. البحرُ عجوز مُسن. شاهد. هادئ. عميق. صامت. لكنه مخضرمٌ، يعرف متى يضرب الضربة المُميتة.

 

الناس والبحر كالنمل والبئر. يسحرهم الماء ولا يجتازونه. اذا وطئوه لم تحرك البئر ساكنا. إذا عاشوا أو ماتوا لا تعبأ بهم. هكذا البحر. لا يكترث لشيء. لا يشعر بالكائنات الدقيقة على شواطئه. لكنه يبتلعهم إذا ظنوا قدرتهم على قهره. لا بأس بالجلوس على الشاطئ بعيدا.. بعيدا جدا عن الماء. والتأمل الطويل. فقط حينها ثَم احترام متبادل.

 

الزرقة الممتدة حتى ما لا نهاية. الأفق البعيد يبتلع قرص الشمس ثم يلد القمر. السفن المواخر فيه تجري بأمر الله تسعى غير مُدركة للعواصف المحتملة. الغمام الداكن. الجو الرمادي الغائم. الصوت المتكرر الرتيب لولادة الموجة، اصطدامها بالشاطئ مليئة بالوعيد والتهديد، انحسارها سريعا بمكرٍ كتماسيح فقدت فريستها على حافة البحيرة؛ تختبئ قليلا ريثما تأتي فريسة غرة غافلة. لا تهدأ أبدا منذ ولد البحر حتى اليوم.

 

سألت البحر مرةً: ألم تحركك خطايا البشر؟! رد: لو تَحَرْكتُ… لابتلعتُ الحياة!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى