غرب أفريقيا: فرصة واقعية لإعادة توجيه بوصلة الاقتصاد المصري

مشغل الصوت
بقلم حميدو حامد صقر عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية / باحث في القانون الدولي الإنساني
لم يعد الحديث عن التوجه المصري نحو أفريقيا ترفًا سياسيًا أو خطابًا دبلوماسيًا تقليديًا بل أصبح ضرورة اقتصادية فرضتها تحولات الداخل وضغوط الخارج. وفي هذا السياق تبرز غرب أفريقيا بوصفها أحد أكثر الأقاليم قابلية للاندماج الواقعي مع الاقتصاد المصري ليس باعتبارها بديلًا عن الشركاء التقليديين وإنما كمسار موازٍ يخفف الضغط ويعيد توزيع المخاطر.
أولًا لماذا غرب أفريقيا تحديدًا؟
بعيدًا عن الخطاب العاطفي فإن اختيار غرب أفريقيا تحكمه اعتبارات عملية واضحة
الإقليم يضم أكثر من 400 مليون نسمة مع نمو سكاني مرتفع يخلق طلبًا حقيقيًا لا مؤقتًا.
ضعف القاعدة الصناعية المحلية في معظم دول الإقليم ما يجعلها أسواقًا مستوردة صافية للغذاء والدواء ومواد البناء.
وجود تكتلات اقتصادية منظمة مثل الإيكواس تسهّل النفاذ الجماعي للأسواق بدل التعامل الثنائي المحدود.
الأهم أن هذه الدول لا تبحث فقط عن مستثمر بل عن شريك قادر على العمل في بيئات نامية وهو ما يميز التجربة المصرية مقارنة بنماذج استثمارية أخرى فشلت في التكيف مع الواقع الأفريقي.
ثانيًا ما الذي تستطيع مصر تقديمه فعليًا؟
الواقعية تقتضي الاعتراف بأن مصر لا تمتلك فائضًا ماليًا ضخمًا للمغامرة لكنها تمتلك ما هو أهم خبرة تشغيلية متراكمة.
الغذاء والزراعة التطبيقية
مصر ليست دولة زراعية غنية بالموارد لكنها دولة خبيرة في إدارة الندرة. هذه الخبرة تحديدًا في الري والتصنيع الغذائي وإدارة سلاسل الإمداد مطلوبة بشدة في غرب أفريقيا.
الدواء منخفض ومتوسط التكلفة
الصناعة الدوائية المصرية قادرة على سد فجوة حقيقية في الإقليم حيث تعتمد دول كثيرة على الاستيراد من أسواق بعيدة وبأسعار مرتفعة،د ما يفتح المجال لإنشاء مصانع مشتركة أو مراكز توزيع إقليمية.
المقاولات والبنية التحتية العملية
لا تبحث دول غرب أفريقيا عن مشروعات فوق قدرتها بل عن حلول عملية وسريعة. وهنا تظهر ميزة الشركات المصرية التي اكتسبت خبرة في العمل تحت ضغط التمويل والوقت.
التعليم والتدريب الفني
الاستثمار في الإنسان هو المدخل الأقل تكلفة والأكثر تأثيرًا. مصر قادرة على لعب دور محوري في إعداد كوادر فنية وإدارية ترتبط بسوق العمل المصري والأفريقي معًا.
ثالثًا أين تكمن الواقعية السياسية؟
النفاذ الإقتصادي لا ينجح دون غطاء سياسي هادئ. الواقعية هنا تعني
الإبتعاد عن منطق النفوذ الصدامي.
التركيز على المصالح المشتركة لا الاستقطابات.
دعم الاستقرار دون الانحياز لأطراف داخلية.
كما يتطلب الأمر إعادة تعريف دور السفارات والمكاتب التجارية من أدوار بروتوكولية إلى أذرع اقتصادية نشطة.
رابعًا التحديات بلا تجميل
الطريق ليس مفروشًا بالفرص فقط. هناك تحديات حقيقية
منافسة شرسة من قوى دولية تمتلك أدوات تمويل أوسع.
هشاشة البنية التحتية في بعض الدول.
تعقيد الأطر القانونية وتفاوتها.
مخاطر أمنية في مناطق محددة.
لكن هذه التحديات ليست مبررًا للتراجع بل سببًا للتخطيط المتدرج وعدم القفز غير المحسوب.
خاتمة وأخيرا من الطموح إلى الحساب
غرب أفريقيا ليست حلًا سريعًا لأزمات الاقتصاد المصري لكنها أحد المسارات الواقعية القليلة المتاحة لتوسيع المجال الحيوي الاقتصادي دون صدام أو مغامرة. النجاح هناك لن يتحقق بالخطاب بل بالالتزام وبناء الثقة والعمل طويل النفس.
في لحظة دولية تتآكل فيها الخيارات يصبح التوجه العقلاني نحو أفريقياوغربها تحديدًا ليس مجرد اختيار بل حسابًا استراتيجيًا لا يحتمل التأجيل.



