مصر والقرن الأفريقي من كلفة الغياب إلى ضرورة الحضور

مشغل الصوت
بقلم حميدو حامد صقر عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية / باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي الإنساني
القرن الأفريقي لم يعد ساحة بعيدة عن الحسابات المصرية بل أصبح اليوم مرآة صادقة لمدى استيعاب الدولة المصرية لدروس الغياب السابق. فمنطقة تتقاطع فيها المياه والملاحة والقواعد
العسكري لا يمكن إدارتها بالعاطفة ولا بالإنكار، بل بالوعي الاستراتيجي.
ومصر وإن دفعت ثمن التراجع في مراحل سابقة فإنها اليوم تعود إلى القرن الأفريقي بعقل الدولة لا بردّ الفعل.
أولًا حين كان الغياب مكلفًا
لا يمكن إنكار حقيقة تاريخية واضحة
أن التراجع المصري عن العمق الأفريقي خاصة في القرن الأفريقي أتاح لقوى أخرى أن تملأ الفراغ
إثيوبيا أعادت صياغة موقعها الإقليمي عبر سد النهضة.
جيبوتي تحولت إلى قاعدة عسكرية دولية مفتوحة.
الصومال أصبح ساحة تنافس إقليمي حاد.
البحر الأحمر خرج جزئيًا من نطاق الرؤية المصرية المباشرة.
هذا الغياب لم يكن انهيارًا لكنه كان ثغرة استراتيجية استغلتها أطراف تعرف جيدًا قيمة الجغرافيا.
ثانيًا سد النهضة لحظة الإفاقة
شكّل سد النهضة نقطة التحول الكبرى في التفكير الاستراتيجي المصري.
لم يعد الملف مجرد خلاف فني بل قضية أمن قومي شامل أعادت ترتيب الأولويات وأجبرت الدولة المصرية على
استعادة الاهتمام بأفريقيا لا كشعار بل كمجال حيوي.
الربط بين الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية والأمنية.
بناء شبكة علاقات متوازنة داخل القرن الأفريقي نفسه.
وهنا بدأ التحول الحقيقي.
ثالثًا: الدور المصري الآن عودة محسوبة
اليوم تتحرك مصر في القرن الأفريقي بثلاثة مسارات متوازية
1. المسار الدبلوماسي
علاقات استراتيجية متنامية مع إريتريا والصومال وجيبوتي.
حضور مصري فاعل في المنظمات الإقليمية الأفريقية.
خطاب سياسي يربط بين الأمن المائي والتنمية المشتركة لا الصدام المجرد.
2. المسار الأمني
تعاون في مكافحة الإرهاب والقرصنة.
تنسيق بحري في البحر الأحمر.
إدراك أن أمن باب المندب امتداد مباشر لأمن قناة السويس.
3. القوة الناعمة
دور الأزهر في أفريقيا الشرقية.
منح تعليمية وبعثات دينية وثقافية.
استعادة مصر لجزء من تأثيرها التاريخي غير الصدامي.
هذا التحرك لا يعني السيطرة بل الحضور الذكي.
رابعًا الفارق بين الأمس واليوم الفارق الجوهري في الدور المصري الحالي هو تغيّر المنهج
لم تعد مصر تتحرك منفردة.
لم تعد تعتمد على الخطاب فقط.
لم تعد تنظر للقرن الأفريقي كساحةأزمة بل كساحة شراكة.
وهو ما يعكس إدراكًا متقدمًا بأن الأمن القومي لا يُدار من الخرائط بل من العلاقات.
الخلاصة
مصر اليوم لا تستعرض قوتها في القرن الأفريقي لكنها تستعيد موقعها الطبيعي.
ولا ترفع شعارات بل تعيد بناء شبكة مصالح خطوة خطوة في واحدة من أخطر مناطق العالم.
القرن الأفريقي لم يعد ملفًا مؤجلًا في السياسة المصرية
بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لنجاح الدولة في التحول من رد الفعل إلى الفعل.
وحتى الآن تسير مصر في الاتجاه الصحيح بشرط الاستمرار وتوسيع الحضور وعدم تكرار دروس الغياب.



