الإقتصاد المصري بين التحوط والاستدامة دروس من أزمة فنزويلا

مشغل الصوت
بقلم حميدو حامد صقر / عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية
لم تكن أزمة فنزويلا مجرد انهيار إقتصادي لدولة بعيدة جغرافيًا عن الإقليم العربي بل تحولت إلى نموذج تحذيري عالمي يكشف كيف يمكن لسوء الإدارة الإقتصادية والاعتماد المفرط على مورد واحد أن يقودا إلى نتائج كارثية مهما امتلكت الدولة من ثروات طبيعية.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية قراءة التجربة الفنزويلية عند تقييم المسار الإقتصادالمصري ليس من باب المقارنة المباشرة وإنما لاستخلاص الدروس الوقائية التي تعزز الإستقراروتدعم الاستدامة.
التحوط الاقتصادي خيار دولة.فخلال السنوات الأخيرة تبنت مصر سياسة إقتصادية تقوم على التحوط وإدارة المخاطر في ظل بيئةدولية شديدة الإضطراب اتسمت بتداعيات جائحة كورونا والأزمات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الغذاء والطاقةوتشديد السياسات النقدية عالميًا.
وقد انعكس هذا التوجه في مجموعة من الإجراءات من بينها
تعزيز الاحتياطي النقدي.
ضبط عجز الموازنة.
إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.
وهي إجراءات تستهدف بالأساس تعزيز قدرة الإقتصاد على الصمود أمام الصدمات الخارجية حتى وإن جاءت على حساب وتيرة النمو السريع في المدى القصير.
تنويع مصادر الدخل
درس لا يحتمل التأجيل
أحد أبرز أسباب إنهيار الإقتصاد الفنزويلي كان الإعتماد شبه الكامل على النفط وهو ما جعل الدولة رهينة لتقلبات الأسعار والضغوط الخارجية.
في المقابل سعت مصر إلى تنويع قاعدتها الاقتصادية عبر دعم قطاعات متعددة مثل الطاقة وقناة السويس والسياحة والصناعة والزراعة التصديرية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تعدد القطاعات بل في تحويل هذا التنوع إلى قيمة مضافة إنتاجية حقيقية قادرة على خلق فرص عمل وزيادة الصادرات وتحسين الميزان التجاري.
ولا يمكن فصل الإصلاح الاقتصادي عن البعد الإجتماعي إذ يمثل الحفاظ على التماسك المجتمعي عنصرًا أساسيًا في أي عملية إصلاح.
وفي هذا الإطار عملت الدولة على توسيع برامج الحماية الإجتماعية وتوجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجًا بما يضمن الحد الأدنى للإستقرار في ظل الضغوط التضخمية.
ويبقى التحدي الأهم هو حماية الطبقة المتوسطة باعتبارها المحرك الرئيسي للاستهلاك والإنتاج وضمان عدم تآكل قدرتها
الإقتصادية على المدى الطويل.
فالاقتراض أداة معروفة في السياسات الإقتصادية الحديثة لكنه يصبح عبئًا إذا لم يُوظف في مشروعات ذات عائد إقتصادي واضح.
ومن ثم فالمرحلة المقبلة تتطلب تركيزًا أكبر على
ربط الاقتراض بمعدلات إنتاج حقيقية.
تعزيز دور القطاع الخاص.
تحسين مناخ الاستثمار المحلي والأجنبي.
خلاصة
تقدم أزمة فنزويلا درسًا مهمًا مفاده أن الإستقرار الإقتصادي لا يتحقق بالشعارات أو الموارد وحدها بل بالإدارة الرشيدة والتنويع والقدرة على التكيف مع المتغيرات.
وفي هذا السياق يسير الإقتصاد المصري في مسار تحوطي يهدف إلى تفادي سيناريوهات الإنهيار مع السعي التدريجي نحو تحقيق نمو مستدام.
فالاقتصاد القوي ليس هو الذي لا يواجه أزمات
بل الذي يمتلك من الأدوات ما يسمح له بتجاوزها دون فقدان التوازن.



