المرأة المصرية في المهجر.. حين تتحول المعرفة إلى خدمة للمجتمع

بقلم: بهجت العبيدي رئيس التحرير
ليست قيمة المؤسسات التي تخدم أبناء الجاليات في الخارج فيما تنظمه من لقاءات وفعاليات فحسب، وإنما فيما تتركه من أثر حقيقي في حياة الناس، وما تتيحه لهم من فرص للتعلم والتواصل والاستفادة من خبرات أبنائهم وبناتهم. ومن هذا المنطلق، تستحق الندوة التوعوية التي نظمتها مؤسسة آيات خليفة للمرأة والأسرة المصرية والعربية في النمسا، برئاسة الزميلة أسماء علي، بمقر النادي المصري بفيينا، وقفة تقدير وإشادة.
لقد جاء اللقاء، الذي حاضرت فيه الدكتورة هدى علي، استشارية أمراض النساء والتوليد والتغذية، نموذجا لنشاط مجتمعي يربط بين المعرفة المتخصصة واحتياجات المرأة والأسرة، ويؤكد أن خدمة الجالية لا تقتصر على المناسبات الاجتماعية، بل تشمل أيضًا بناء الوعي الصحي وإتاحة المعلومة العلمية بلغة يفهمها الناس ويستطيعون الاستفادة منها في حياتهم اليومية.
أسماء علي ومؤسسة تؤمن بأهمية المبادرة
إن ما تقوم به الزميلة أسماء علي، من خلال رئاستها لمؤسسة آيات خليفة للمرأة والأسرة المصرية والعربية في النمسا، يعكس أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه المبادرات المجتمعية في رعاية شؤون المرأة والأسرة، ولا سيما في مجتمعات المهجر، حيث تتعدد الاحتياجات وتزداد أهمية وجود مساحات تجمع أبناء الجالية حول المعرفة والتعاون والتكافل.
فالمرأة المصرية والعربية في المهجر ليست مجرد مستفيدة من الأنشطة المجتمعية، بل هي شريك أساسي في صناعة الوعي، وتربية الأجيال، وبناء جسور التواصل بين الثقافات. ومن هنا، تكتسب الندوات المتخصصة أهمية خاصة، لأنها تمنح المرأة فرصة للتعرف إلى الخبرات العلمية، وطرح تساؤلاتها، والحصول على معلومات تساعدها في اتخاذ قرارات أكثر وعيًا بشأن صحتها وصحة أسرتها.
وتستحق المؤسسة ورئيستها التقدير على الاهتمام بهذا الجانب، وعلى السعي إلى تقديم أنشطة تتجاوز حدود اللقاء الاجتماعي إلى ما ينفع الإنسان في حياته وواقعه.
الدكتورة هدى علي.. كفاءة مصرية في خدمة الإنسان
أما الدكتورة هدى علي، فهي مثال للطبيبة التي تجمع بين التأهيل العلمي والخبرة العملية والاهتمام بالتوعية المجتمعية. فهي نمساوية من أصول مصرية، تخرجت في جامعة فيينا الطبية، ثم استكملت تخصصها في سويسرا، حيث أمضت عشر سنوات في العمل داخل النظام الصحي السويسري، واكتسبت خبرة واسعة في مجال أمراض النساء والتوليد، قبل أن تعود إلى فيينا عام 2021 لمواصلة مسيرتها المهنية.
وتزيد خبرتها على خمسة عشر عاما، مع تركيز خاص على متابعة الحمل والولادة، إلى جانب تخصصها في طب التغذية وعملها في مجال الطوارئ. وهي خبرات تمنح رسالتها التوعوية قيمة مهمة، خصوصًا حين تُقدَّم المعرفة الطبية بأسلوب واضح وميسر، بعيدًا عن التعقيد الذي قد يحول دون وصول المعلومة إلى من يحتاج إليها.
غير أن الجانب الذي يستحق الإشارة إليه بصفة خاصة هو حرص الدكتورة هدى على تقديم محتوى طبي توعوي مجاني عبر منصات التواصل الاجتماعي، باللغات العربية والألمانية والإنجليزية، ومؤخرًا الفرنسية. وهذا الجهد يعبّر عن إدراك لأهمية التواصل العلمي مع الجمهور، وعن مسؤولية تتجاوز حدود العيادة والمستشفى إلى المجال العام.
فالمعرفة الطبية لا ينبغي أن تظل حبيسة المؤسسات الصحية أو محصورة في لغة يصعب على بعض الناس فهمها. وكلما اقتربت المعلومة من الجمهور، وأُتيحت له بصورة دقيقة ومبسطة، ازدادت فرص الاستفادة منها، وتعززت قدرة الأفراد على التمييز بين النصيحة العلمية والمعلومة المغلوطة.
وهنا تبرز أهمية الطبيبة المصرية التي تحمل خبرتها إلى المجتمع، وتوظف ما تعلمته في خدمة الإنسان، وتقدم نموذجا إيجابيا لما يستطيع أبناء الأصول المصرية تحقيقه في بلدان إقامتهم، مع الاحتفاظ بروابطهم الثقافية والإنسانية مع مجتمعهم العربي.
إن الإشادة بالدكتورة هدى علي ليست لمجرد نجاحها المهني، بل أيضًا لما يمثله نشر الوعي الصحي من قيمة إنسانية ومجتمعية، ولما يتيحه من دعم للمرأة في مراحل مختلفة من حياتها.
النادي المصري بفيينا.. بيت للجالية ومنصة للتواصل
ولا تكتمل الإشارة إلى هذه المبادرة من دون تقدير الدور الذي يؤديه النادي المصري بفيينا، برئاسة الصديق الدكتور خالد حسين، في احتضان الأنشطة التي تجمع أبناء الجالية المصرية والعربية وتتيح لهم فرص التفاعل وتبادل الخبرات.
فالأندية والجمعيات التي تنجح في أداء دورها المجتمعي لا تكتفي بكونها أماكن للاجتماع، بل تتحول إلى منصات لنشر المعرفة، وتعزيز الروابط الإنسانية، ودعم المبادرات التي تعود بالنفع على أفراد الجالية.
ومن هنا، فإن استضافة النادي لهذه الندوة، وما أبداه رئيسه وأعضاء مجلس إدارته والأستاذ مجدي حنّا من دعم وحسن استقبال، تمثل جانبًا مهمًا من نجاح اللقاء، وتؤكد أن العمل المجتمعي المثمر يقوم على التعاون بين المؤسسات والأفراد، وعلى الإيمان بأن خدمة الناس مسؤولية مشتركة.
المعرفة والتعاون.. طريق لخدمة الجالية
إن التجربة التي جمعت مؤسسة آيات خليفة للمرأة والأسرة المصرية والعربية في النمسا، والدكتورة هدى علي، والنادي المصري بفيينا، تقدم صورة جديرة بالتشجيع للعمل المجتمعي الذي يجمع بين التوعية الصحية والتنظيم المؤسسي والخبرة المهنية.
والأمل أن تتواصل مثل هذه اللقاءات، وأن تتسع موضوعاتها لتشمل مختلف جوانب صحة المرأة والأسرة، والتربية، والتعليم، والثقافة، والتحديات التي تواجه الأجيال الجديدة في المهجر. كما أن من المهم أن تحظى الخبرات المصرية والعربية المتميزة في النمسا بمساحات أوسع للتواصل مع أبناء الجالية، بما يعزز تبادل المعرفة ويقوي جسور الثقة والانتماء.
وفي النهاية، فإن تقديرنا للزميلة أسماء علي على جهودها من خلال المؤسسة، وللدكتورة هدى علي على خبرتها الطبية ورسالتها التوعوية، وللصديق الدكتور خالد حسين وإدارة النادي المصري بفيينا على دعمهم واستضافتهم، هو تقدير لفكرة أوسع من ندوة واحدة: فكرة أن المجتمع يزداد قوة حين يفتح أبوابه للعلم، ويمنح الكفاءات فرصة لخدمة الناس، ويحول المبادرات الفردية إلى عمل جماعي نافع.
ففي المهجر، كما في الوطن، لا تُقاس قيمة الانتماء بالكلمات وحدها، بل بما نقدمه للإنسان من معرفة، وما نبنيه من جسور للتعاون، وما نتركه من أثر طيب في حياة المجتمع.



