اجتماع طهران الرباعي التاريخي يرسم معادلة الأمن الإقليمي بالمنطقة

تحليل نداء حرب
صورة في طهران تهز واشنطن وتل أبيب
الصورة التي نشرها الموقع الرسمي للرئاسة الإيرانية اليوم تُلخص عقداً كاملاً من التحولات: وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان يجلس إلى يمين الجنرال محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وإلى يساره قائد الجيش الباكستاني عاصم منير ورئيس الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، وخلفهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
قبل عام واحد فقط، كانت هذه الصورة مستحيلة، السعودية وتركيا وباكستان وقعت في/ 7 آب 2026/ في مكة اتفاقاً للدفاع المشترك ينص أن أي هجوم مسلح على أحد أعضائه يعتبر هجوماً على الجميع، وفسره الإعلام الغربي بأنه “ناتو سني ضد إيران”.
اليوم، نفس الدول الثلاث تجلس في طهران، بمبادرة باكستانية، بدعم إيراني، بوساطة قطرية، لتقول جملة واحدة: أمننا لا يمكن أن يكون ضد إيران، بل يجب أن يكون مع إيران.
هذا هو الاجتماع الرباعي الذي بدأ اليوم في طهران، وانتهى قبل ساعات، والذي قالت الخارجية الإيرانية إنه يمكن أن يوفر “الأرضية لتعاون أوسع في مجال ضمان الأمن الإقليمي”.
ثلاث حروب مهدت لهذا الاجتماع
لكي نفهم لماذا جاءت السعودية إلى طهران، يجب أن نفهم ثلاث حروب وقعت خلال 8 أشهر فقط:
حرب اليمن المتجددة 2025-2026
بعد هدنة طويلة، استأنف الحوثيون المتحالفون مع إيران هجماتهم على السعودية. الرياض طلبت دعماً أمريكياً مباشراً، لكن واشنطن ربطت الدعم بشروط نفطية وسياسية، ولم تقدم مظلة دفاع جوي كاملة. هنا بدأت الرياض تدرك أن الرهان على الدعم العسكري الأمريكي غير مضمون.
حرب 28 شباط 2026
في 28 شباط الماضي، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مباشرة على إيران. ردت طهران بهجمات على إسرائيل وما قالت إنها منشآت عسكرية أمريكية في دول عربية، الحرب انتهت بوقف إطلاق نار في 8 نيسان، لكنها كشفت حقيقة: إيران قادرة على إغلاق مضيق هرمز واستهداف المصالح الأمريكية، ولا أحد يستطيع منعها إلا تفاهم إقليمي.
ومنذ ذلك الحين، تفرض إيران سيطرتها على المضيق وتستهدف سفناً تعبر دون إذنها، بينما تفرض أمريكا حصاراً بحرياً مضاداً على الموانئ الإيرانية، الاقتصاد العالمي كله على المحك.
انهيار مذكرة 18 حزيران:
بوساطة باكستانية، وقعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم في 18 حزيران لوقف النزاع، لكنها انهارت بسبب خلافات حول الملاحة في هرمز، هنا فهمت باكستان أن الحل ليس أمريكياً إيرانياً، بل إقليمي.
الصيغة السعودية الجديدة من الحماية الأمريكية إلى التسوية مع صنعاء
مصادر دبلوماسية في الرياض تقول إن حلف مكة نصح الرياض بنصيحتين:
الأولى: لا تراهنوا على الدعم العسكري الأمريكي، أمريكا منشغلة بانتخابات التجديد النصفي في 4 تشرين الثاني المقبل، وبالانتخابات الإسرائيلية المفصلية غداً، وبأوكرانيا وتايوان، والكونغرس الجمهوري بقيادة ترامب يريد الاحتفاظ بالسيطرة، ولا يريد حرباً جديدة في الخليج.
الثانية: التسوية السلمية مع صنعاء أرخص من الحرب، استمرار الحرب مع الحوثيين يعني استنزاف ميزانية نيوم والرؤية 2030، بينما تسوية بضمانة إيرانية-باكستانية تمنح السعودية خروجاً آمناً.
وهذا ما يفسر بيان وكيل الخارجية السعودية رائد قرملي اليوم: “الزيارة تأتي في إطار استمرار جهود دول اتفاقية مكة لخفض التصعيد وتشجيع الحوار والحلول الدبلوماسية ودعم جهود الوساطة التي تقودها قطر وباكستان”.
الرياض لم تعد تبحث عن نصر عسكري، بل عن استقرار يسمح لها بتنفيذ مشاريعها، وهذا الاستقرار لا يأتي إلا من طهران.
الرسالة الخفية للجنرال محسن رضائي الحرس الثوري يرسم المعادلة
لماذا يترأس الاجتماع محسن رضائي، وليس وزير الخارجية عباس عراقجي؟
لأن الرجل ليس دبلوماسياً عادياً، هو الجنرال السابق للحرس الثوري، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، والمرشح الرئاسي السابق، والرجل الذي قاد الحرب العراقية الإيرانية.
وجوده يعني ثلاث رسائل:
الرسالة الأولى للسعودية وتركيا وباكستان: الأمن الإقليمي ليس ملف خارجية، بل ملف أمن قومي تديره المؤسسة العسكرية، إيران تتعامل معكم كقوى عسكرية، ليس كحلفاء سياسيين فقط.
الرسالة الثانية لواشنطن وتل أبيب: الحرس الثوري هو الذي يدير ملف الأمن الإقليمي، وليس التيار الإصلاحي المعتدل، حتى لو تفاوض بزشكيان وعراقجي مع أمريكا، فإن القرار الأمني النهائي في يد الحرس، وهذا يعني أن أي منظومة أمنية بدون الحرس ستنهار.
الرسالة الثالثة لداخل إيران: بعد حرب شباط وفشل المفاوضات، التيار المتشدد يقول: نحن نجحنا حيث فشلت الدبلوماسية. نحن جلبنا السعودية وتركيا وباكستان إلى طهران، وليس العكس.
نائب رضائي، علي باقري كني، قالها بوضوح للتلفزيون الحكومي: “يمكن أن يشكل الاجتماع الرباعي في طهران خطوة مهمة وفعالة في بناء أمن إقليمي مستدام، بعيداً عن التدخلات الخارجية”.
وبمقولة أخرى : انتهى زمن الأمن المستورد من واشنطن ، بدأ زمن الأمن المصنوع في المنطقة.
هل قبل الثلاثة قيادة طهران كرهاً؟ قراءة في المواقف
الحقيقة أكثر تعقيداً:
1. باكستان – المهندس والمستفيد الأكبر:
باكستان هي التي طرحت المبادرة خلال زيارة عاصم منير لطهران. لماذا؟
– باكستان تريد منع حرب جديدة في هرمز تهدد إمداداتها النفطية.
– تريد تسويق نفسها كوسيط إقليمي لا غنى عنه، بعد نجاحها في وساطة حزيران.
– تريد ضمان أن اتفاق مكة لن يجرها لحرب ضد إيران، وهي التي تتشارك حدوداً معها وتخشى من انفجار بلوشستان.
2. تركيا – الباحث عن دور الزعامة
فرئيس استخباراتها إبراهيم قالن ليس مجرد ضابط، هو مهندس السياسة الخارجية التركية، حضوره يعني:
– تركيا تريد أن تكون جزءاً من أي منظومة أمنية تمنع إسرائيل من التوسع. جدول الأعمال اليوم تضمن *”نهج إسرائيل التوسعي والتطورات في لبنان وفلسطين”*.
– تركيا تريد ضمان عدم تشكل محور إيراني-سعودي-باكستاني بدونها، فيضعف دورها.
3. السعودية – المضطرة للواقعية:
السعودية لم تكن تريد الذهاب لطهران، لكنها مضطرة:
– لأن هجمات مايسمونهم الحوثيين (أنصار الله) لم تتوقف.
– اتفاق مكة بدون تفاهم مع إيران يعني أن السعودية ستكون خط الدفاع الأول ضد إيران، وهذا ما لا تريده.
– الرؤية 2030 تحتاج استقرار هرمز، وهرمز بيد إيران.
لذلك ذهب خالد بن سلمان، الرجل الأقرب لمحمد بن سلمان، ليقول: نحن مستعدون لحل الخلافات.
تناول البحث والنقاش خمس ملفات
حسب الخارجية الإيرانية والأناضول ومصراوي، الملفات هي:
1. تداعيات العدوان العسكري على إيران:
إيران تريد ضمان أن اتفاق مكة لن يستخدم كغطاء لهجوم أمريكي-إسرائيلي جديد، وتريد تعهداً أن أراضي السعودية وتركيا وباكستان لن تستخدم ضدها.
2. نهج إسرائيل التوسعي:
كل الدول الأربع قلقة من التوسع الإسرائيلي بعد حرب غزة ولبنان، إيران تطرح نفسها كقوة ردع، والسعودية وتركيا تريدان لجم إسرائيل دون مواجهة مباشرة.
3. فلسطين ولبنان:
إيران تريد دعماً لمشروع مساعدة الشعبين الفلسطيني واللبناني المظلومين، وهو بند وضع خصيصاً لإحراج السعودية وتركيا وإظهارهما أمام الرأي العام الإسلامي.
4. مضيق هرمز:
الملف الأخطر، إيران تفرض إذن مرور، وأمريكا تفرض حصاراً، الدول الثلاث تريد حرية ملاحة، وإيران تريد اعترافاً بسيطرتها.
5. اليمن:
وهو الملف غير المعلن، السعودية تريد من إيران ضغطاً على أنصار الله لوقف الهجمات، وإيران تريد من السعودية رفع الحصار عن اليمن.
هل هذه بداية نظام إقليمي جديد؟
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي قال: “تحقيق أمن مستدام في الشرق الأوسط يتطلب الاعتماد على قدرات دول المنطقة وإرادتها بعيداً عن التدخلات الخارجية”.
هذه الجملة هي عقيدة الحرس الثوري منذ 1979، لكنها اليوم تجد آذاناً صاغية لأن أمريكا تتردد.
الوفد القطري الذي زار طهران أمس الأحد، في إطار دور الوساطة القطرية، يؤكد أن المشروع أكبر من اجتماع رباعي. قطر، التي تمتلك علاقات مع الجميع، تحاول بناء منظومة أمن خليجي-إسلامي جديدة.
المعادلة الجديدة التي يرسمها رضائي هي:
لا أمن في الخليج بدون إيران، ولا أمن في هرمز بدون الحرس الثوري، ولا استقرار في اليمن ولبنان وفلسطين بدون تفاهم إقليمي.
وأخيراً طهران تفرض نفسها
ما حدث اليوم هو اعتراف متبادل بالعجز:
– عجز السعودية عن تأمين حدودها بدون إيران.
– عجز تركيا عن لجم إسرائيل بدون إيران.
– عجز باكستان عن تأمين طاقتها بدون استقرار هرمز.
– عجز إيران عن فك الحصار الأمريكي بدون غطاء إقليمي من حلف مكة.
اجتماع طهران هو ولادة نظام توازن رعب إقليمي جديد: كل طرف يملك ورقة تهديد، وكل طرف يحتاج الآخر للبقاء.
التاريخ سيسجل أن 26 تشرين الأول 2026 هو اليوم الذي انتهى فيه احتكار واشنطن لأمن الشرق الأوسط، وبدأ فيه عصر الأمن الإقليمي بأيدي أبنائه، حتى لو كانوا أعداء الأمس.
والسؤال الآن: هل سيسمح ترامب ونتنياهو بهذا النظام الجديد قبل انتخابات 4 تشرين الثاني، أم أننا أمام جولة حرب أخرى لإجهاضه؟



