من جنيف إلى العالم.. «همسة سماء الثقافة الدولية» و«الألكسو» تنظّمان مؤتمرًا دوليًا حول مستقبل اللغة العربية لأطفال المهجر في عصر الذكاء الاصطناعي

– الهوية والابتكار والتحول الرقمي في صدارة المناقشات.. وإعلان جنيف ومبادرة «صانع الأثر» يفتحان آفاقًا جديدة للتعاون الثقافي والتربوي الدولي
جنيف
احتضن قصر الأمم في جنيف، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، أعمال مؤتمر جنيف الأول بعنوان «اللغة العربية لأطفال المهجر في العصر الرقمي: الهوية والابتكار والذكاء الاصطناعي»، بمبادرة وتنظيم من منظمة همسة سماء الثقافة الدولية – الدنمارك، وبالشراكة العلمية والمؤسسية مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، وبمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء والتربويين والمهتمين باللغة العربية وقضايا الطفولة والهوية الثقافية في المهجر.
وجاء انعقاد المؤتمر تتويجًا لعام كامل من العمل والتخطيط والإعداد والتنسيق الذي تولّته منظمة همسة سماء الثقافة الدولية، بما شمل الترتيبات التنظيمية وحجز قاعة المؤتمر في قصر الأمم بجنيف، في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز حضور اللغة العربية لدى الأجيال الناشئة خارج الوطن العربي، وتطوير التعاون الدولي في المجالات الثقافية والتربوية.
وشكّل المؤتمر محطة بارزة في مسيرة المنظمة، باعتباره أول مؤتمر تنظّمه عقب حصولها على الصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة (ECOSOC)، بما يعكس توجهها نحو توسيع حضورها المؤسسي وإطلاق مبادرات نوعية تتناول قضايا اللغة والهوية والتعليم في العصر الرقمي.
افتتاح المؤتمر: رؤى مشتركة لخدمة اللغة العربية
استُهلّت أعمال المؤتمر بكلمة للدكتور رامي إسكندر، مدير إدارة التربية في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) ورئيس المؤتمر، رحّب فيها بالمشاركين، مؤكدًا أهمية اللقاء العلمي وما يطرحه من قضايا تتصل بمستقبل تعليم اللغة العربية لدى أطفال المهجر.
وتلا ذلك عرض رسالة مصوّرة لمعالي الأستاذ الدكتور محمد ولد أعمر، المدير العام للألكسو، تناول فيها أهمية اللغة العربية ومكانتها الثقافية والحضارية، وضرورة تعزيز حضورها لدى الأطفال العرب في المهجر، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وما تتيحه من فرص وما تفرضه من تحديات على المؤسسات التعليمية والثقافية.
وألقت الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية، رئيسة منظمة همسة سماء الثقافة الدولية ورئيسة المؤتمر، كلمتها الافتتاحية، التي أكدت فيها أن الحفاظ على اللغة العربية لا ينبغي أن يقتصر على تدريسها داخل الصفوف، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة حية تجعلها جزءًا من حياة الأطفال اليومية، ولغة للتواصل والتعبير والتعلم والانتماء.
وشددت على أهمية تطوير رؤى تربوية وثقافية مبتكرة تواكب العصر الرقمي، وتستفيد من إمكانات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في تعزيز تعليم اللغة العربية، مع الحفاظ على أصالتها وعمقها الثقافي والإنساني.
وأعلنت الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية رسميًا افتتاح أعمال المؤتمر، إيذانًا بانطلاق جلساته العلمية.
أربع جلسات علمية تناقش تحديات اللغة والهوية والابتكار
توزعت أعمال المؤتمر على أربع جلسات علمية تناولت واقع اللغة العربية لدى أطفال المهجر، والتحديات التي تواجه تعليمها، والسبل الكفيلة بتعزيز حضورها في البيئات التعليمية والاجتماعية والرقمية.
وتولّى إدارة الجلسات العلمية كل من الدكتور علي موسى الموسوي والدكتور عبد السلام العيساوي، فيما تولّت الأستاذة جليلة العبيدي، الخبيرة التربوية وممثلة إدارة التربية في الألكسو، مهمة مقررة المؤتمر.
وجاءت الجلسة الأولى بعنوان «حقوق الطفل في المهجر بين الحماية والتمكين»، وناقشت حقوق الأطفال واحتياجاتهم الثقافية واللغوية، وأهمية توفير بيئات تساعدهم على الحفاظ على هويتهم ولغتهم الأم، بالتوازي مع تعزيز اندماجهم الإيجابي في المجتمعات التي يعيشون فيها.
أما الجلسة الثانية، بعنوان «تعليم اللغة العربية لأطفال المهجر بين الابتكار والهوية»، فركزت على تطوير أساليب تعليم العربية في البيئات متعددة اللغات والثقافات، وضرورة اعتماد مناهج تربوية مبتكرة تستجيب لاحتياجات الأطفال وتربط تعلم اللغة بممارستها في الحياة اليومية.
وخصصت الجلسة الثالثة لموضوع «المنصات الرقمية الذكية لتعليم العربية»، حيث ناقش المشاركون دور التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تطوير المحتوى التعليمي، وتوفير أدوات تفاعلية تسهم في تشجيع الأطفال على تعلم اللغة العربية واستخدامها، إلى جانب أهمية التعامل الواعي مع التحديات المرتبطة بالبيئة الرقمية.
وجاءت الجلسة الرابعة بعنوان «دور العربية في تعزيز الانتماء والهوية»، لتسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين اللغة وتشكيل الهوية الثقافية لدى أطفال المهجر، وأهمية بناء ارتباط مستدام باللغة العربية يتجاوز حدود التعليم التقليدي.
وشاركت الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية في هذه الجلسة بورقة علمية بعنوان «من تعليم العربية إلى عيش العربية: استراتيجيات مبتكرة لبناء علاقة حية باللغة لدى أطفال المهجر»، تناولت فيها أهمية الانتقال من تعليم اللغة بوصفها مادة دراسية إلى جعلها تجربة معيشة ترتبط بحياة الطفل وتواصله وتعبيره عن ذاته وانتمائه.
وشهدت الجلسات مشاركات حضورية وعن بُعد، ما أتاح تبادل الرؤى والخبرات بين الباحثين والمتخصصين، كما برزت أهمية إشراك الشباب والأجيال الجديدة في النقاشات المتعلقة بمستقبل اللغة العربية ودورها في تعزيز الهوية والانتماء.
وقفة وفاء للدكتور محمد الأمين محمد المصطفى فارس
تضمّن برنامج المؤتمر وقفة وفاء للدكتور محمد الأمين محمد المصطفى فارس، الذي عُرف بحبه للغة العربية واهتمامه بها، وكان يأمل المشاركة في هذا اللقاء العلمي، قبل أن يغيّبه حادث سير عن الحياة قبيل انعقاد المؤتمر.
وجاءت هذه اللفتة تقديرًا لذكراه واستحضارًا لإسهاماته وارتباطه باللغة العربية، وتأكيدًا على أن العمل الثقافي واللغوي يحمل في جوهره قيم الوفاء والتقدير لكل من جعل خدمة اللغة جزءًا من رسالته الإنسانية والعلمية.
وألقت الأستاذة نسرين غنيم، مسؤولة العلاقات الدولية في الألكسو، كلمة التأبين خلال هذه الفقرة.
إعلان جنيف: خطوة نحو تعزيز التعاون الدولي
شكّل إعلان جنيف إحدى أبرز محطات المؤتمر، حيث جاء ليعبّر عن الرؤى والتوجهات التي برزت خلال الجلسات والمناقشات العلمية، بشأن تعزيز حضور اللغة العربية لدى أطفال المهجر وتطوير العمل المشترك في مجالات التربية والثقافة والابتكار الرقمي.
وأعدّت الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية، رئيسة منظمة همسة سماء الثقافة الدولية، نص الإعلان، فيما قدّمه المهندس عبد الحفيظ إغبارية، مؤسس المنظمة، بمشاركة الأستاذة نسرين غنيم، مسؤولة العلاقات الدولية في الألكسو.
ومن المقرر نشر النص الكامل لإعلان جنيف في مادة مستقلة، تتضمن بنوده وتوصياته بصورة تفصيلية، بما يتيح للجهات والمؤسسات المعنية الاطلاع على مخرجات المؤتمر والاستفادة منها في تطوير برامج ومبادرات مستقبلية.
مبادرة «صانع الأثر» لدعم الشباب وتعزيز مشاركتهم
شهد المؤتمر كذلك الإعلان عن إطلاق مبادرة «صانع الأثر»، بالتعاون بين منظمة همسة سماء الثقافة الدولية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو).
وتهدف المبادرة إلى دعم الشباب وتشجيعهم على المبادرة والمشاركة الفاعلة في المجالات الثقافية والتربوية، وتعزيز دورهم في إحداث تغيير إيجابي داخل مجتمعاتهم، بما يسهم في بناء جيل قادر على تحويل الأفكار إلى مشروعات ومبادرات ذات أثر ملموس.
وتأتي المبادرة في إطار الاهتمام المشترك بتمكين الأجيال الجديدة، وإتاحة مساحات أوسع لمشاركتها في العمل الثقافي والتربوي، بما يعزز قيم المسؤولية المجتمعية والانتماء والمشاركة.
اتفاقية تعاون بين همسة سماء والألكسو
وعلى هامش أعمال المؤتمر، أُعلن عن اتفاقية التعاون بين منظمة همسة سماء الثقافة الدولية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، التي سبق توقيعها إلكترونيًا.
وجاء الإعلان عن الاتفاقية خلال المؤتمر تأكيدًا على أهمية الشراكة المؤسسية وتطوير مجالات التعاون المشترك، بما يخدم الأهداف الثقافية والتربوية للطرفين، ويسهم في دعم المبادرات المتعلقة باللغة العربية والطفولة والشباب والابتكار.
شراكات ومساهمات داعمة للمؤتمر
حظي المؤتمر بدعم مؤسسة رسالة السلام العالمية، التي أسهمت في مساندة أعماله، كما أقامت مأدبة عشاء للمشاركين، في إطار دعمها للقاء وما يحمله من أهداف تتصل بتعزيز الحوار الثقافي والتعاون في خدمة اللغة العربية وقضايا أطفال المهجر.
ومثّل المؤسسة الأستاذ الحاج محمد لمين، مدير المؤسسة في إسبانيا والمسؤول عن أنشطتها في أوروبا.
كما شهد المؤتمر مشاركة المركز التربوي للغة العربية لدول الخليج، ممثلًا بمديره الدكتور عيسى صالح الحمادي، إلى جانب عدد من الجهات والشخصيات الأكاديمية والتربوية والثقافية، بما أضفى على اللقاء بُعدًا مؤسسيًا وعلميًا، وأسهم في تعزيز فرص التواصل وتبادل الخبرات بين المؤسسات المعنية بتعليم اللغة العربية وتطوير مناهجها.
ختام المؤتمر والتأكيد على تحويل التوصيات إلى برامج عملية
اختُتمت أعمال المؤتمر بكلمة للدكتور رامي إسكندر، مدير إدارة التربية في الألكسو، وجّه خلالها الشكر إلى المشاركين والجهات التي أسهمت في إنجاح اللقاء، مؤكدًا أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى تعزيز حضور اللغة العربية لدى أطفال المهجر.
كما شهدت الفقرة الختامية التأكيد على أهمية الاستفادة من مخرجات الجلسات العلمية والتوصيات المنبثقة عنها، والعمل على تطوير مبادرات ومشروعات عملية قابلة للتنفيذ، من خلال استمرار التنسيق والتعاون بين المؤسسات الثقافية والتربوية المعنية.
واختُتم المؤتمر بالتقاط صورة جماعية للمشاركين، توثيقًا لهذه المناسبة الثقافية والعلمية.
همسة سماء الثقافة الدولية.. من المبادرة إلى الحضور الدولي
يمثل انعقاد مؤتمر جنيف الأول إنجازًا جديدًا في مسيرة منظمة همسة سماء الثقافة الدولية – الدنمارك، التي أطلقت المبادرة وتولّت على مدار عام كامل أعمال التخطيط والإعداد والتنسيق، وصولًا إلى تنظيم المؤتمر في قصر الأمم بجنيف، بالشراكة مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو).
ويكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة باعتباره أول مؤتمر تنظّمه المنظمة عقب حصولها على الصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، في خطوة تعكس تطور حضورها في مجالات العمل الثقافي والتربوي الدولي.
كما يؤكد المؤتمر أهمية الانتقال من الدعوة إلى الحفاظ على اللغة العربية لدى أطفال المهجر إلى تطوير برامج ومقاربات تعليمية وثقافية مبتكرة تجعل اللغة جزءًا أصيلًا من حياة الأجيال الجديدة، وتساعدها على الجمع بين الاعتزاز بجذورها الثقافية والانفتاح على المجتمعات التي تعيش فيها.
ومن خلال ما شهده المؤتمر من نقاشات علمية، وما أطلقه من مبادرات، وما أبرزه من شراكات، تتجدد أهمية العمل المشترك بين المؤسسات العربية والدولية والباحثين والتربويين من أجل بناء مستقبل تظل فيه اللغة العربية لغة للمعرفة والإبداع والتواصل والانتماء.
وهكذا، يتجاوز مؤتمر جنيف الأول حدود اللقاء العلمي ليؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الثقافي والتربوي، انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن اللغة العربية ليست مجرد إرث ينبغي الحفاظ عليه، بل لغة حية قادرة على مواكبة التحولات الرقمية، وبناء جسور التواصل بين الأجيال والثقافات، وصناعة أثر يمتد من جنيف إلى العالم.







