مختارات

نصوص تولد من رحم الغضب،

الصورة تصميم علي 

 

ليست كل القصائد تُكتب لتطرب الأذن أو تستدرج الإعجاب، فثمة نصوص تولد من رحم الغضب، وتحمل في بنيتها موقفًا قبل أن تحمل إيقاعًا. وقصيدة “العين الثالثة للصقر” للشاعر محمد خالد الخضر تنتمي إلى هذا اللون من الشعر؛ إذ تتكئ على لغة احتجاجية حادة، وتستثمر الرمز والاستفهام والمفارقة لتقديم رؤية ناقدة للواقع كما يراه الشاعر.

 

والقراءة التي تلي لا تنطلق من الاتفاق أو الاختلاف مع المواقف التي يطرحها النص، بل تنظر إليه بوصفه عملاً شعرياً يستحق التأمل في بنيته الفنية، وصوره، وإيقاعه، وخطابه، وآليات التعبير التي اعتمدها في بناء رؤيته. فالنقد الأدبي ينشغل بكيفية تشكّل النص وجمالياته بقدر انشغاله بأفكاره، ويبحث في العلاقة بين اللغة والانفعال، وبين الصورة والدلالة، بعيداً عن إصدار الأحكام الأيديولوجية.

 

ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة محاولةً لاستجلاء أبرز السمات الفنية والجمالية في القصيدة، والوقوف عند ما تمنحه للقارئ من أسئلة ورؤى، وما تفتحه من آفاق للتأويل والنقاش.

 

قراءة نقدية في قصيدة “العين الثالثة للصقر” للشاعر محمد خالد الخضر

پم : علي عبد الوهاب الجاسم

 

العين الثالثة للصقر

بلغ السيل الزبى … هنا الحقيقة ..

شعر : محمد خالد الخضر

هي صفحتي فيها الندى عنوان

والصقر والفرسان والشجعان

القول فيها لا جدال بفعله

صعب المراس إذا أتى الأعوان

ويهاب منزلها الضعاف تحسبا

إن الضعيف إلى العراك يهان

ساحاته مثل السراب هزيلة

ويخاف لو دك الوغى من كانوا

حتى إذا خلت الأماكن عادها

متشمر مستأسد عريان

أو قد يعود محاضرا ومنظرا

هي هكذا تنتابنا الخصيان

من فرط بأس الفعل جاء كبيرهم

قلق على أحلامه حيران

أقسى لديه أن يسب حكومة

ورئيسه تعبت له الميدان

الآن بعد النصر جاء ملثما

وبدت عريكة ذلك الخسران

سحجات أست المستعاد تكشفت

فعلت به الأتراك والأفغان

من ذا أجاز لمثله أن يعتلي

تلك المنابر حولها من خانوا

ماذا يدور وأين حراس الوغى

حتى تنظر بيننا الغلمان

رخصت على كأس تراود حولها

ذكرا فلبى للغرام جبان

إن الذين يرابطون كأنهم

مثل الرجال وحالهم تعبان

وكأنهم لا يعلمون بما جرى

مثل الذي في خمره ولهان

نبحت كلاب الروم في عرزالنا

والاحتفال يديره السكران

أمن الرئيس سيوفكم ولعلها

مثلومة ما شدها فرسان

كيف اليهود على غلاف مجلة

غاطت ووجه مديرها هيمان

أثر الإباضة في مفارق شعره

هو يطمئن لأننا عميان

هو مثل كوهين الذي اخترق العلا

والأدعياء جواره كم هانوا

أنا لا مكان لقامتي في عالم

سقطت به الأخلاق والأوطان

إن كنت أكذب ارفعوا أسيافكم

إن كان في آلافكم وجدان

أوليس من رجل يواجه صرختي

ويسوقه عن قومه الوجدان

أم لا ضمير إلى نفير كاذب

وغلافه / شاغال / والثعبان

 

تنهض قصيدة “العين الثالثة للصقر” على خطاب احتجاجي مباشر، يتخذ من الشعر وسيلةً للمساءلة وكشف ما يراه الشاعر مظاهر التراجع الأخلاقي والوطني. ومنذ المطلع، يؤسس الشاعر لصورة ذاتٍ واثقة من موقفها، فيقول:

 

«هي صفحتي فيها الندى عنوان

والصقر والفرسان والشجعان»

 

في هذا الاستهلال يجمع بين رمزية الندى بما يحمله من صفاء، والصقر بما يرمز إليه من العزة واليقظة، ليمنح النص هويةً قائمة على الصراحة والشجاعة.

 

وتتحرك القصيدة بعد ذلك في منحنى هجائي واضح، إذ يوجه الشاعر سهام نقده إلى شخصيات وأنماط سلوكية يراها انتهازية، لا تظهر إلا بعد انقضاء الخطر، وهو ما يتجلى في قوله:

 

«حتى إذا خلت الأماكن عادها

متشمر مستأسد عريان»

 

فهنا تقوم المفارقة على كشف البطولة الزائفة؛ إذ يبدو “الاستئساد” مجرد قناع يسقط أمام حقيقة الفراغ من المواجهة.

ويعتمد النص اعتمادًا كبيراً على الأسلوب الإنشائي، ولا سيما الاستفهام، بوصفه أداة احتجاج وتحريض، كما في:

«من ذا أجاز لمثله أن يعتلي

تلك المنابر…»

فالاستفهام لا ينتظر جوابًا، وإنما يحمل في ذاته إدانةً واستنكاراً، وهو من أبرز سمات الخطاب السياسي في الشعر العربي الحديث.

ومن الناحية الفنية، تزخر القصيدة بصور تعتمد على الرمز والإحالة التاريخية والثقافية، فترد إشارات إلى اليهود وكوهين وشاغال والروم والأتراك والأفغان وغيرها. وتؤدي هذه الإحالات وظيفة توسيع الدلالة وربط الواقع بسياقات تاريخية وسياسية متعددة، وإن كانت كثرتها قد تجعل بعض المقاطع أكثر التصاقاً بالحدث السياسي من البناء الشعري الخالص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى