اخبار الجالية

محمد الباز واتهام المصريين بالخارج: حين يتحدث الجهل باسم الوطنية

مشغل الصوت

بقلم إكرامي هاشم منسق الإنحاد العالمي للمواطن المصري بالخارج

في واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية حساسية في تاريخ مصر الحديث، خرج الإعلامي محمد الباز بتصريحات حملت قدرًا كبيرًا من الاستخفاف والاتهام المباشر للمصريين في الخارج، حين زعم أنهم لم يقفوا بجانب بلدهم، ولم يساهموا في حل أزمة الدولار، بل لمح إلى أن تحويلاتهم كانت تتم عبر السوق السوداء. هذه التصريحات لم تكن فقط مستفزة لملايين المصريين بالخارج، بل كشفت عن جهل مهني فادح بالأرقام، وبالوقائع، وبالدور الحقيقي الذي لعبه المغتربون في دعم الاقتصاد المصري على مدار سنوات طويلة، خاصة في أوقات الشدة.

فالأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج تُعد أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وأهم مصادر النقد الأجنبي للدولة. خلال السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 25 و35 مليار دولار سنويًا، وبلغت في بعض الفترات مستويات قياسية جعلتها تتفوق على عوائد السياحة وتقترب من إيرادات قناة السويس. هذه التحويلات تمثل ما يقرب من 8 إلى 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة ضخمة وفق كل المعايير الاقتصادية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها هامشية أو ثانوية، كما يحاول البعض تصويرها.

والسؤال المنطقي الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان المصريون في الخارج لم يقفوا بجانب بلدهم كما يدّعي محمد الباز، فمن الذي دعم الاقتصاد في السنوات التي تلت أحداث يناير، عندما توقفت حركة السياحة شبه كليًا، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية، ومرت البلاد بحالة من الاضطراب وعدم الاستقرار؟ الإجابة واضحة ومعروفة للجميع، باستثناء من يختار تجاهلها عمدًا. في تلك السنوات العصيبة، كانت تحويلات المصريين بالخارج هي المصدر الأكثر استقرارًا للعملة الصعبة، وكانت بمثابة طوق النجاة للاقتصاد المصري، دون ضجيج، ودون مزايدات، ودون انتظار شكر أو امتيازات.

ولم يقتصر دور المصريين في الخارج على التحويلات المالية فقط، بل امتد إلى استثمارات مباشرة في الداخل، سواء في العقارات أو المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلًا عن دعم ملايين الأسر المصرية بشكل مباشر، وتحمل أعباء اجتماعية واقتصادية خففت كثيرًا من الضغط على الدولة. كل ذلك يجعل من الحديث عنهم باعتبارهم عبئًا أو متقاعسين حديثًا منفصلًا تمامًا عن الواقع، ولا يمكن تفسيره إلا في إطار خطاب تعبوي يبحث عن شماعة يعلّق عليها الغضب الشعبي الناتج عن قرارات اقتصادية مرتبكة، مثل قرار إلغاء الإعفاء الجمركي على الهواتف المحمولة للمصريين بالخارج.

الخطير في تصريحات محمد الباز ليس فقط افتقارها للدقة، بل نبرتها الإهانية التي تعامل المصري بالخارج باعتباره متهمًا لا شريكًا، وكأن الوطنية تُقاس بمكان الإقامة لا بحجم المساهمة. هذا الخطاب لا يسيء إلى المغتربين وحدهم، بل يسيء إلى الدولة نفسها، لأن أي دولة تحترم ذاتها تحرص على حماية علاقتها بجالياتها في الخارج، وتدرك أن كسب ثقتهم أهم بكثير من كسب تصفيق لحظي على الشاشات.

الوطنية الحقيقية لا تكون بالتطبيل ولا بتزييف الوعي، ولا بإلقاء اللوم على فئة قدمت لمصر ما لم يقدمه كثيرون ممن يرفعون أصواتهم ليل نهار. ومن هذا المنطلق، فإن محمد الباز مطالب بتحمّل غضب ما يقرب من 14 مليون مصري في الخارج شعروا بالإهانة والتجريح، وهو مطالب قبل ذلك باعتذار واضح وصريح، لأن الكلمة حين تُقال من على منبر إعلامي تصبح مسؤولية، لا مجرد رأي عابر.

إن الاستمرار في التعامل مع المصري بالخارج باعتباره مصدرًا سهلًا للجباية، أو مادة جاهزة للهجوم الإعلامي، لن يضر المغتربين وحدهم، بل سيضر مصر ذاتها، وسيؤدي إلى خسارة ما هو أخطر من الدولارات، وهو الثقة والانتماء والإحساس بأن هذا الوطن يقدّر أبناءه ولا يعاقبهم لأنهم نجحوا خارجه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى