الإعلامية المغربية هدى نصر الدين تكتب :مصر والمغرب .. مايجمع القلوب أقوى من خلافات العشب

مشغل الصوت
في أزمنة الإلتباس، لا تكون الحاجة إلى رفع الصوت، بل إلى رفع مستوى الخطاب.
وحين تختلط مشاعر المنافسة الرياضية بما لا يشبهها، يصبح واجب العقلاء إعادة التمييز بين العابر والجوهر، وبين ما يُقال في لحظة انفعال، وما يترسّخ في وجدان الشعوب عبر التاريخ.
لقد شهدت بعض محطات المنافسات القارية الأخيرة سلوكيات جماهيرية متشنجة بين مغاربة ومصريين، سلوكيات لا تعبّر، في جوهرها، عن حقيقة الشعبين، ولا عن صورتهما الحضارية التي تشكّلت عبر قرون من التفاعل الإنساني، والثقافي، والروحي. إن اختزال شعبين عريقين في ردود فعل معزولة، أو هتافات منفلتة، هو ظلم مضاعف للتاريخ وللوعي الجمعي في البلدين.
فالشعب المغربي، كما المصري، عُرفا دومًا بالتحضّر، وبقدرة نادرة على تحويل الاختلاف إلى حوار، والتنافس إلى فرصة للتقارب لا للتنافر. وما يصدر عن فئات متعصبة في المدرجات أو على منصات التواصل الاجتماعي، لا يتجاوز كونه تعبيرًا عن انفعال لحظي، لا يمثل إلا أصحابه، ولا يجوز أن يُحمَّل دلالات تتجاوز حجمه الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، فإن كل سلوك يمسّ رموز الدول، وعلى رأسها الأناشيد الوطنية، سواء في الماضي أو الحاضر، وفي أي بلد كان، يظل سلوكًا مرفوضًا أخلاقيًا وحضاريًا. وقد عبّر العقلاء في المغرب ومصر، مرارًا، عن استنكارهم لمثل هذه التصرفات، إدراكًا منهم أن احترام الرموز الوطنية ليس تفصيلاً شكليًا، بل تعبير عن نضج الشعوب ووعيها بذاتها وبالآخر.
إن استحضار هذه الوقائع يجب أن يكون مدخلًا للتهدئة لا للتأجيج، وللمراجعة لا للمحاسبة المتبادلة. فالتاريخ المشترك بين المغرب ومصر لا يُكتب في مدرجات الملاعب، بل في مسارات طويلة من التعاون، والتبادل، والاحترام المتبادل. علاقات نسجتها الدبلوماسية الحكيمة، وعزّزتها الثقافة، وعمّقتها وشائج القربى، والمصاهرة، والحضور المتبادل في وجدان الشعبين.
مصر، بحضارتها الضاربة في أعماق الزمن، كانت ولا تزال أحد أعمدة الوعي العربي والإنساني. والمغرب، بتعدده الثقافي وعمقه الحضاري، شكل عبر التاريخ فضاءً للتلاقي لا للصدام. وبين هذين القطبين الحضاريين، تشكّل رابط إنساني لا تهزّه العواصف، ولا تُضعفه لحظات التوتر العابر.
غير أن أخطر ما يمكن أن نسمح به اليوم، هو أن نترك المجال لخطابات مغرضة، تُغذّيها منصات التواصل، وتسعى إلى تحويل الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، والمنافسة المشروعة إلى قطيعة. هذه الخطابات لا تخدم المغرب ولا مصر، بل تستثمر في الانقسام، وتقتات على سوء الفهم.
إن المرحلة الراهنة، بما تحمله من تحديات إقليمية ودولية، تفرض علينا جميعًا التحلي بأقصى درجات التعقّل والاتزان. فالمطلوب ليس الانحياز للانفعال، بل للوعي. وليس تضخيم التفاصيل، بل تحصين المشترك. وليس البحث عمّن أخطأ، بل كيف نصحّح المسار ونمنع تكرار الانزلاق.
وفي الختام، تبقى الحقيقة الأوضح:
العلاقات بين المغرب ومصر ليست علاقة ظرفية، بل رابطة حضارية وإنسانية راسخة.
وما يجمع الشعبين أكبر من مباراة، وأعمق من هتاف، وأبقى من أي فتنة عابرة.
فلنجعل من الرياضة جسرًا للتقارب، لا ذريعة للتباعد.
ومن الاختلاف مساحة نضج، لا سبب خصام.
ولتظل الأخوّة المغربية–المصرية، كما كانت دائمًا، عصيّة على الكسر، محصّنة بالحكمة، ومحمولة على إرادة شعبين يعرفان أن السلام ليس ضعفًا، بل أعلى مراتب القوة.
واخيرا وليس آخر تحيا مصر .. وديما مغرب..


