حين عادت الكرة المصرية إلى الخلف… حسام حسن وإحياء مدرسة الخوف

مشغل الصوت
بقلم . إكرامي هاشم
بداية، أوضح أنني لست محللًا كرويًا ولا ناقدًا رياضيًا محترفًا،
أنا فقط مشجع قديم… قديم جدًا،
من أولئك الذين تعبوا، فغضبوا، ثم انسحبوا في صمت.
توقفت تقريبًا عن متابعة كرة القدم المصرية منذ عام 2001،
ليس كرهًا في اللعبة،
بل يأسًا من منظومة،
واشمئزازًا من فكر،
وضيقًا من تكرار الفشل بنفس الوجوه وبنفس الأعذار.
كان إخفاق التأهل لكأس العالم 2002 القشة التي قصمت ظهر الشغف،
لكنه – كان جرس نهاية حقبة،
حقبة المدرب الراحل محمود الجوهري،
الذي لم يكن مجرد مدرب فاشل في رأيي،
بل كارثة فكرية أصابت الكرة المصرية لسنوات.
الجوهري لم يُدمّر النتائج فقط،
بل دمّر الخيال،
وأمات الجرأة،
وقتل الإبداع،
وزرع الخوف في عقل اللاعب المصري.
مدرسة 1/9/1 الدفاعية لم تكن خطة،
بل حالة ذهنية،
فلسفة خوف،
عقيدة انسحاب،
وإدارة تقوم على الصوت العالي لا على العقل.
ولا يمكن الحديث عن تلك الحقبة دون استدعاء الجريمة الكروية الأشهر:
تجميد طاهر أبو زيد – مارادونا النيل،
أحد أذكى وأجرأ من لمسوا الكرة في تاريخ مصر،
وحبسه على دكة البدلاء في كأس العالم 1990.
ولن ننسى مباراة أيرلندا الشهيرة،
حين تحوّل خط المنتصف إلى خط أحمر،
وحين تجرأ طاهر أبو زيد—وهو لاعب «بوكس تو بوكس» بطبيعته—
وانطلق للأمام،
كان الجزاء فوريًا: الخروج من الملعب،
في مشهد عبثي يُلخّص فلسفة:
اللعب للأمام جريمة.
تكررت المأساة في تصفيات 1994 أمام زيمبابوي في ليون،
بالعناد نفسه،
والحرس القديم نفسه،
وتجاهل الأسماء الصاعدة نفسها،
وعلى رأسهم ياسر ريان،
لأن الفكر لم يكن يرى إلا نفسه.
ثم جاءت واقعة ليبيريا في تصفيات 1998،
حين رفض الجوهري تأجيل المباراة حتى يشارك جورج ويا مع ميلان،
رغم أن ليبيريا لم تكن تنافس،
ورغم توسلات ميلان وإغراء المباراة الودية.
رفضٌ مجاني،
عناد أعمى،
ونتيجة معروفة:
هدف من ويا، وحلم مصري تبخّر.
هنا، وبصراحة،
قررت الانسحاب من التعصب الكروي،
وتركت خلفي حتى انتمائي الأهلاوي المتشنج،
لأن الكرة صارت عبئًا نفسيًا لا متعة.
ثم… عاد الشغف.
عاد مع حسن شحاتة،
ليس لأنه فاز فقط،
بل لأنه غيّر الفكرة.
أعاد للكرة المصرية معناها:
اللعب للأمام،
الهجوم بشجاعة،
الخسارة بكرامة،
والفوز بالأداء قبل النتيجة.
حتى في الهزيمة—كما أمام البرازيل في كأس القارات 2009—
خرجنا مرفوعي الرأس،
لأننا كنا نلعب كرة قدم،
لا نمارس طقوس الخوف.
ثم غاب المعلم…
وعادت الردّة.
إلى أن جاء حسام حسن.
وأعترف: تحمّست له،
بدافع وطني لا تحليلي،
لاعب مهاجم، اسم كبير، فرصة جديدة.
لكن ما رأيناه لم يكن تطورًا،
بل إحياءً كاملًا لمدرسة الجوهري،
بنفس التحجر،
بنفس الصراخ،
بنفس الفقر التكتيكي،
وبنفس عقلية «شدّوا حيلكم».
ومع حسام حسن، لم نتراجع خطوة واحدة فقط،
بل أعاد عقارب الساعة إلى الوراء،
إلى زمن الخوف،
والتبرير،
وكرة القدم التي تُلعب هروبًا لا إقدامًا.
منتخب بلا هوية،
بلا شكل،
بلا خطة،
يفوز بالصدفة،
ويُهزم حين يغيب الحظ.
وحين تظهر الحقيقة—كما أمام السنغال—
نرى فريقًا خائفًا،
يقتل اللعب،
ينتظر المعجزة،
ثم يختبئ خلف أعذار الملعب والإقامة،
وكأننا عدنا إلى سبعينيات الكرة الإفريقية.
أما الهزيمة أمام نيجيريا في مباراة تحديد المركز الثالث،
فلم تكن مفاجأة،
بل تأكيدًا أخيرًا أن المشكلة أعمق من نتيجة،
وأخطر من بطولة.
ما يحدث اليوم ليس أزمة مدرب فقط،
بل امتداد طبيعي لفكر خرّب الكرة المصرية،
فكر بدأ بالجوهري،
وتحوّل إلى ميراث ثقيل،
يتناقله من لا يؤمنون بالعلم،
ولا بالتطوير،
ولا بالعصر.
وللحديث بقية…
لأن النقد هنا واجب،
والصمت خيانة للفكرة



