ظاهرة برلمانية ملفتة

مشغل الصوت
دينا الجعفري
مع انطلاق الفصل التشريعي الثالث لمجلس النواب المصري في يناير ٢٠٢٦ تبرز ظاهرة برلمانية لافتة تتمثل في استمرارية عدد محدود من النواب الذين نجحوا في الحفاظ على مقاعدهم لثلاث دورات متتالية مما جعلهم يمتلكون رصيداً ضخماً من الخبرة السياسية والتشريعية تحت القبة. هؤلاء النواب الذين استطاعوا نيل ثقة الناخبين منذ عام ٢٠١٥ وحتى الدورة الحالية يمثلون “بيوت الخبرة” داخل البرلمان حيث ساهمت هذه الاستمرارية في تعميق فهمهم للأدوات الرقابية وآليات سن القوانين المعقدة مما جعلهم عناصر محورية في لجان المجلس النوعية. هؤلاء النواب الذين يبلغ عددهم ١٧ نائباً فقط يشكلون نسبة ضئيلة تقارب ٢،٨٥% من إجمالي مقاعد المجلس البالغة ٥٩٦ مقعداً، وهم يمثلون “الحرس القديم” وأصحاب الخبرات المتراكمة تحت القبة، وعلى رأسهم النائبة عبلة الهواري التي سجلت حدثاً تاريخياً برئاستها للجلسة الافتتاحية لعام ٢٠٢٦ بصفتها أكبر الأعضاء سناً، بجوار أسماء بارزة مثل النواب أحمد عبد الله العويضي وفتحي قنديل وخالد خلف الله الذين حافظوا على ثقة دوائرهم الانتخابية لثلاث فترات تشريعية متصلة. وأهمية هؤلاء النواب في قدرتهم العالية على الربط بين الملفات التشريعية القديمة والمستحدثة مستفيدين من شبكة علاقات واسعة وتمرس في إدارة الجلسات العامة والنقاشات الساخنة مع الحكومة. وبالرغم من أن الدستور المصري الحالي وضع قيوداً محددة لمدد رئاسة المجلس ووكالته لضمان تداول السلطة إلا أن بقاء الأعضاء العاديين لثلاث دورات منحهم ثقلاً سياسياً كبيراً يتمثل في حصانة برلمانية قوية ومكانة اجتماعية مرموقة تمكنهم من رعاية مصالح دوائرهم بكفاءة أعلى نتيجة فهمهم العميق لمداخل الجهاز الإداري للدولة.
إن وجود هذه النخبة البرلمانية في عام ٢٠٢٦ يضمن نوعاً من التوازن بين دماء الشباب الجديدة وبين الخبرات المتراكمة التي تحمي العمل التشريعي من العشوائية وتضمن استقرار المؤسسات التشريعية المصرية. وتعكس هذه الدورة البرلمانية لعام ٢٠٢٦ تحولاً نوعياً في بنية المؤسسة التشريعية، حيث شهدت انتخاب المستشار هشام بدوي رئيساً للمجلس، مع ظهور لافت للمرأة التي اعتلت ثلاث منها منصة البرلمان في مشهد غير مسبوق. وبالرغم من التعددية الحزبية الواسعة التي تضم ١٥ حزباً وكتلة معارضة قوية تشغل ٥٣ مقعداً، تظل قيمة النواب المستمرين لثلاث دورات متمثلة في قدرتهم على توجيه الأداء التشريعي بخبراتهم التي تمتد لـ ١٥ عاماً، مما يضمن توازناً دقيقاً بين حماس الوجوه الجديدة التي تملأ أغلبية مقاعد المجلس وبين حكمة التراكم البرلماني الذي تفرضه هذه النخبة المحدودة.



