مقالات

حلم ما بعد الأزمة بين الإصلاح الجاد وتجميل الانهيار

مشغل الصوت

حلم ما بعد الأزمة بين الإصلاح الجاد وتجميل الانهيار
بقلم حميدو حامد صقر
عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية
باحث في التاريخ السياسي والقانون الدولي الإنساني


الأزمات في جوهرها لا تُسقط الدول لكنها تكشف بنيتها الحقيقية. وما نمرّ به اليوم ليس حدثًا طارئًا أو صدمة عابرة بل نتيجة تراكم طويل لسياسات قصيرة الأجل وإدارة فضّلت التسكين على العلاج وتعاملت مع الزمن باعتباره خصمًا لا موردًا.
الحديث عن ما بعد الأزمة دون مراجعة حقيقية ليس رؤية مستقبلية بل رهان على النسيان. فلا إصلاح يولد من إنكار ولا حلم يُبنى بخطاب يطالب بالصبر دون خريطة طريق واضحة ومُعلنة.
لقد كشفت الأزمة بوضوح اقتصادًا يعتمد على الاقتراض أكثر من اعتماده على الإنتاج وتعليمًا يُدار باعتباره عبئًا ماليًا لا ركيزة للأمن القومي
وإعلامًا يخلط بين الدعم المهني والتبرير
وسياسات تميل إلى إدارة التداعيات بدل معالجة الجذور.
جوهر الإشكالية
ليست المشكلة في حجم الأزمة، بل في آليات إدارتها.
فالاعتراف بالخطأ لايُضعف الدولة بل يحميها. أما الخوف من المراجعة فيحوّل الأخطاء المؤقتة إلى نمط دائم.
أخطر ما يُطرح في لحظات ما بعد الأزمات هو محاولة تجميل الماضي بدل تفكيكه نقديًا. فالأمم التي ترفض مواجهة أخطائها بجرأة تُعيد إنتاجها بكلفة أعلى ووقت أقصر.
حلم ما بعد الأزمة: قطيعة واعية
الحلم الواقعي لا يبدأ بالشعارات بل بقطيعة واضحة مع:
عقلية المسكنات المؤقتة
الخلط بين الاستقرار والجمود
اختزال الدولة في أشخاص لا مؤسسات
لا تنمية بلا إنتاج
ولا عدالة بلا كفاءة
لا استقرار بلا ثقة عامة قائمة على الشفافية والمحاسبة.
الدولة المطلوبة التي نحتاجها بعد الأزمة هي دولة ترى الإنسان أصل الثروة
وتضع التعليم في صدارة أولوياتهاوتعيد الاعتبار للصناعة والزراعة والتكنولوجيا
وتدير علاقاتها الخارجية بمنطق المصالح المتوازنة لا التبعية.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بعدالة الفرص ووضوح الأفق. والاستقرار المستدام لا يُفرض بل يُبنى عبر سياسات رشيدة ومشاركة مجتمعية واعية.
الخطر الأكبرليس استمرار الأزمة بل الاعتياد عليها.
حين يصبح الفشل مقبولًا والمحاسبة مؤجلة والصمت فضيلة تدخل الدولة أخطر مراحلها دون ضجيج.
خاتمة
ما بعد الأزمة ليس لحظة استرخاء بل لحظة اختيار حاسم
إما إصلاح جاد يعيد بناء الدولة من الجذور
أو إدارة هادئة لانهيار مؤجل.
والتاريخ، كما يثبت دائمًا
لا يحاسب النوايا بل القرارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى