لا خلاص إلا بالقران ..صفحات الماضي تحمل جراح غائرة .. تنزف دماء وأنين
علي الشرفاء الحمادي : الفتوحات وحروب الردة وقتال مانعي الزكاه .. انقلاب علي آيات الرحمن

مشغل الصوت
الأقوال البشرية فتحت طريق الضلال امام اهل السلطة والجاه .. فـسقطت الامة في معارك وصراع طويل
قراءة تحليلية يكتبها : خالد العوامي
يبدو ان صفحات الماضي تحمل بين طياتها جراح غائرة لم تندمل .. جراح ما زالت تنزف دماء وأنين .. جراح بدأت منذ اللحظة الاولي لغياب الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم .
هجر المسلمون روح الرسالة ومسارها القويم .. هجروا القرآن .. ثم .. ثم تمسكوا بأقوال بشرية ما انزل الله بها من سلطان .. ليفتحوا طريق الضلال أمام أهل السلطة والجاه .. علي حساب الدين والإيمان بالله وآياته البينات .
وعندما كتب الاستاذ علي الشرفاء الحمادي مقاله ” الانقلاب المبكر علي القرآن .. وكيف ضاعت الأمة منذ اللحظة الاولي ” .. انما أراد أن يفتح نافذة نور على أسئلةٍ حائرة : متى بدأ الابتعاد عن جوهر القرآن ؟ .. وكيف تحول ” النص الإلهي ” من مرجعية حاكمة .. إلى ” شاهد صامت ” علي ما يحدث من تغيير للهوية وعبث في السلوك ؟ .
إذ يتحدث الاستاذ علي الشرفاء في مقاله عن قتال الزكاة وحروب الردة .. ثم .. ثم يعرج نحو فتوحات عرفت ” بالفتوحات الإسلامية ” .. و .. و يتحدث عن طقوس شكلية منفصلة عن اصل الحياة ومبتغاها .. يكشف مسار الانقلاب على القيم الإلهية التي ضيقت علي الناس .. ثم .. ثم أفقدتهم الطمأنينة وراحة البال .. موجهاً دعوة عاجلة صادقة لـ استعادة النور والعدل .. والعودة لـ روح القرآن ونوره الإلهي .
فما جرى بعد وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم لم يكن مجرد اختلاف سياسي .. ولم يكن اجتهاد تاريخي .. انما كان هجر للتشريع الإلهي .. وسقوط مدوي في صراعات ومعارك .. خطفت مسار الأمة نحو ظلمات وجهل وصراع طويل .
تحدث الأستاذ علي الشرفاء عن قتال مانعي الزكاة .. والذي كان بمثابة نقطة مفصلية في فهم العلاقة بين الإيمان والسلطة .. فـ الزكاة عبادة بين العبد وربه .. لا يملك أحد سلطة محاسبة الناس عليها سوى الله جل علاه .. ومن هذا المنطلق يصبح القتال عليها وفق القراءة القرآنية نقض لـ حدود التكليف الإلهي .. وتحويل الدين من علاقة روحية بين الإنسان وربه .. إلى أداة قسر وقتل بيد السلطة .
.. ثم .. ثم ينتقل الحمادي في مقاله إلى ” حرب الردة ” والتي كانت اشبه بـ صراع على العقيدة .. واختبار خطير لـ مبدأ الحرية الدينية .. فـ القرآن الكريم نصه الصريح يقرّ حق الإنسان في الإيمان واختيار العقيدة .. ويؤكد أن الحساب مؤجل إلى الله وحده .. إذ يقول المولي سبحانه وتعالي : ” وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ” .. صدق الله العظيم .
وتحويل ” الردة ” إلى جريمة دنيوية يُعاقب عليها بـ السيف .. مصادرة مباشرة لـ حق قرآني أصيل .. وإقحام للسلطة الدنيوية فيما لم يُؤذن لها به .. إذ يقول الله تعالي : ” يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين ” .. صدق الله العظيم .
.. أما .. أما ” الفتوحات ” تحت شعار نشر الإسلام .. فـ يتعامل معها مقال الشرفاء الحمادي بوصفها أكثر محطات الانقلاب إيلاماً .. فحين يُستخدم الدين غطاء للغزو .. وتنهب ثروات الشعوب باسم الغنائم .. تتحول الرسالة من دعوة قائمة على الحكمة والموعظة الحسنة .. إلى مشروع هيمنة يناقض جوهر القرآن .. إذ يضع علي الشرفاء هذه اللحظة بوصفها بداية القطيعة الكبرى .. قطيعة مع قيم العدل والرحمة والسلام التي أُسّست عليها رسالة الرحمن .. اذ يقول المولي سبحانه وتعالي : ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ” . صدق الله العظيم .
ومن هنا تتسع الدائرة .. فـ هجر القرآن لم يكن قرار واعي .. بقدر ما كان نتيجة طبيعية لـ مسار طويل من التوظيف السياسي للدين .. اختزل الإسلام في طقوس .. وغياب قيمه السمحة عن السلوك البشري .. فـ انفصل الإيمان عن الحياة .. ووجد الإنسان نفسه ممزق بين عبادات شكلية وواقع قاسي يفتقر فيه إلى الطمأنينة وراحة البال .
وأحسب هنا أن ” النصوص القرآنية ” ليست مسؤولية عما آلت إليه الأمة .. انما الهجر والقراءات والروايات هي من صنعت لنا ” إسلام منقوص ” .. وفرضته على الناس بوصفه الحقيقة المطلقة .. وهنا تكمن قوة طرح علي الشرفاء .. فهو لا يدعو إلى هدم الدين انما إلى استعادته من التشويه .. وإرجاعه إلى منبعه الأول ” القرآن الكريم ” .. النص المقدس ” المصان في اللوح المحفوظ ” .. والذي لم يطاله تحريف او تأويل .
أن رسالة الإسلام ستظل رسالة خالدة .. ستبقي مشروع إنساني شامل .. يقوم على العدل والمساواة ونبذ الاستعلاء .. وخدمة الإنسان مهما كانت هويته .
و .. و حين يعود القرآن مرجعية للسلوك الإنساني .. يمكن للمجتمعات أن تستعيد أمنها وسلامها في الدنيا قبل الآخرة .
بدا مقال علي الشرفاء يحمل بين سطوره ” رسالة حب وسلام ” .. رسالة يدعو فيها الناس .. ” كل الناس ” الي مراجعة المسلمات .
.. ثم .. ثم يختتم بـ اعادة طرح السؤال الأخطر والأجرأ : هل ما نعيشه اليوم هو امتداد لـ رسالة ” القرآن الكريم ” .. أم نتيجة الانقلاب عليها ؟ .
اللهم اني قد بلغت .. اللهم فاشهد .



