غير مصنفمقالات

الوضع العالمي ما بين الواقع والحلم: قراءة سياسية في زمن التحولات

مشغل الصوت

بقلم حميدو حامد صقر
باحث في التاريخ السياسي
عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية


يشهد العالم في المرحلة الراهنة حالة واضحة من التناقض بين الخطاب السياسي المعلن والممارسة الفعلية على أرض الواقع. فبينما تتحدث القوى الكبرى عن التعاون الدولي واحترام القانون الدولي تكشف التطورات اليومية عن نظام عالمي تحكمه المصالح وتديره موازين القوة أكثر مما تحكمه القواعد أو المبادئ.
لقد دخل النظام الدولي مرحلة انتقالية لم تستقر ملامحها بعد حيث تتراجع الأحادية القطبية التي سادت لعقود دون أن ينجح العالم في بناء تعددية متوازنة قادرة على ضبط العلاقات الدولية. هذا الفراغ الاستراتيجي أسهم في تصاعد الصراعات وتكاثر بؤر التوتر وتحول أدوات الاقتصاد والطاقة والغذاء إلى وسائل ضغط سياسي مباشر.
وزادت الأزمات المتلاحقة من جائحة عالمية إلى نزاعات مسلحة ممتدة من حدة هذا الاضطراب وأضعفت دور المؤسسات الدولية التي باتت عاجزة عن منع الأزمات أو تسويتها بشكل عادل مكتفية في كثير من الأحيان بإدارتها دون معالجة جذورها.
في مقابل هذا الواقع لا يزال الحلم قائمًا بإمكانية بناء نظام دولي أكثر عدالة وتوازنًا يقوم على احترام سيادة الدول وعدم ازدواجية المعايير وتغليب الحلول الدبلوماسية على منطق القوة. غير أن هذا الحلم يصطدم بحقيقة أساسية مفادها أن العدالة الدولية لا تتحقق بالنوايا الحسنة وحدها بل بتوازن المصالح وقدرة الدول على حماية خياراتها الوطنية.
وفي هذا السياق تبرز أهمية موقع الدول المتوسطة في النظام الدولي. فهذه الدول رغم محدودية أدوات القوة الصلبة لديها تمتلك هامشًا للحركة يمكن توظيفه بحكمة من خلال سياسات خارجية مرنة وتنويع الشراكات وتجنب الانخراط في صراعات المحاور. فالنجاح اليوم لا يقوم على الاصطفاف بقدر ما يقوم على حسن القراءة ودقة التقدير.
إن السياسة الدولية في صورتها الراهنة لم تعد ساحة للأحلام المجردة ولا ميدانًا مفتوحًا للقوة الغاشمة وحدها بل أصبحت مجالًا معقدًا يتطلب مزيجًا من الواقعية السياسية والرؤية الأخلاقية. فالدول التي تكتفي بالحلم قد تفقد مصالحها، والدول التي تعتمد على القوة وحدها قد تفقد استقرار النظام الدولي بأكمله.
خلاصة القول إن العالم يقف اليوم في منطقة وسطى بين واقع تحكمه المصالح الصلبة وحلم إنساني يسعى إلى نظام أكثر إنصافًا. والفارق بين الاثنين لا تصنعه الشعارات بل تصنعه القدرة على الفهم العميق واتخاذ القرار الرشيد، وبناء سياسات تحمي المصالح دون أن تهدم أسس الاستقرار الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى