
مشغل الصوت
بقلم حميدو حامد صقر
باحث في التاريخ السياسي والعلاقات الدولية والباحث بالقانون الدولي الإنساني
ما جرى في فنزويلا ليس أزمة حكم ولا خلافًا داخليًا ولا صراعًا على الديمقراطية كما تزعم واشنطن.
ما جرى ويجري هو عدوان مكتمل الأركان على سيادة دولة وعدوان أوسع على فكرة أن يكون للشعوب حق في أن تختار طريقها خارج الإملاءات الأمريكية.
أمس سقط القناع مرة أخرى.
لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بالعقوبات ولا بالحصار ولا بإدارة الأزمات من خلف الستار.
أمس أعلنت بوضوح أنها الوصيّ غير المنتخب على مصائر الشعوب وأن من يخرج عن الطاعة يُعاد تأديبه اقتصاديًا أو سياسيًا أو أمنيًا.
أمريكا لا تناقش أمريكا تُعاقب
المنطق الأمريكي بسيط حدّ الوقاحة
إما أن تكون جزءًا من منظومة المصالح
أو تُصنَّف خطرًا يجب كسره.
فنزويلا لم تُحاصر لأنها فشلت بل لأنها حاولت أن تمتلك قرارها.
لم تُستهدف لأنها قمعية بل لأنها لم تسلّم نفطها وإرادتها على طبق من ذهب.
وهنا بيت القصيد
السيادة في القاموس الأمريكي جريمة
والاستقلال الاقتصادي تهديد
وأي مشروع وطني خارج الوصاية يُعدّ خروجًا عن النظام الدولي الذي كتبته واشنطن لنفسها.
الديمقراطية حين تكون مزيفة تصبح سلاحًا
الولايات المتحدة لا تصدّر الديمقراطية بل تستعملها كسكين سياسي.
ديمقراطية تُقبل نتائجها فقط إذا جاءت مطابقة للمطلوب.
أما إذا اختارت الشعوب غير المرغوب فيه فالصندوق يتحول فجأة إلى مشكلة والانتخاب إلى شبهة والدولة إلى أزمة.
هكذا تُصنع الفوضى باسم القيم
ويُخنق الشعب باسم إنقاذه
وتُدمَّر الدولة باسم حمايتها.
الاقتصاد تحت الحصار والشعب في مرمى النيران
العقوبات ليست إجراءً سياسيًا بل حرب بطيئة.
حرب على الغذاء والدواء والعملة والكرامة.
وحين ينهك الشعب يُقال له ببرود هذا ثمن التحرر.
لكن الحقيقة أن ما يُدفع ليس ثمن الحرية بل فاتورة العصيان.
عصيان دولة رفضت أن تكون تابعًا اقتصاديًا أو مزرعة نفطية بلا سيادة.
القانون الدولي ورقة بلا قيمة
في فنزويلا كما في العراق وليبيا وأفغانستان يتأكد أن القانون الدولي لا يعمل إلا على الضعفاء.
أما الأقوياء فيكتبون القواعد ثم يدوسونها متى شاؤوا.
لا محاسبة
لا مساءلة
لا عدالة دولية حقيقية.
العالم يشاهد ويسجل ويصمت.
وهذا الصمت هو الشريك غير المعلن في الجريمة.
الرسالة الأخطر
ما يحدث في فنزويلا ليس موجّهًا لكراكاس وحدها بل رسالة تهديد مفتوحة لكل دولة تفكر في الاستقلال
إياك أن تجرّب فالثمن باهظ.
إنه ابتزاز سياسي عالمي
ونظام دولي قائم على الخوف لا على القانون
وعلى القوة لا على الشرعية.
الخلاصة أمريكا المشكلة لا الحل
لم تعد الولايات المتحدة جزءًا من الحل في أزمات العالم بل أحد أهم أسبابها.
قوة ترى نفسها فوق المساءلة
وتتصرف كأن العالم ملكية خاصة
وتتعامل مع الشعوب كأدوات ضغط لا كأصحاب حق.
ومع ذلك فإن التاريخ لا البيت الأبيض هو من يكتب النهاية.
والتاريخ يقول دائمًا:
الهيمنة تزول أما إرادة الشعوب فتبقى.



