د. معتز صلاح الدين يكتب: في ذكرى رحيل الرمز الوطنى العظيم سيد درويش.. الموسيقار الذي جعل من الفن صوتًا للوطن

بمناسبة الذكرى الثالثة بعد المائة لرحيل الموسيقار العظيم سيد درويش، نستعيد سيرة فنان لم يكن مجرد موسيقار عظيم ومجدد في تاريخ الموسيقى المصرية، ولم يكن فقط صوتًا فنيًا معبرًا عن الثورة على الاحتلال، بل كان وما زال وسيظل رمزًا وطنيًا مصريًا عظيمًا، ارتبط اسمه بوجدان المصريين وبمرحلة مهمة من تاريخ مصر الحديث.
لقد استطاع سيد درويش أن يحول الموسيقى والغناء إلى لغة تعبّر عن آمال الشعب وآلامه وطموحاته، وأن يجعل من الفن صوتًا للناس، يلامس مشاعرهم ويعبر عن تطلعاتهم إلى الحرية والكرامة والاستقلال.
وكان فنه جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني المصري؛ فغنى للوطن والعمل والكفاح، وعبّر عن الإنسان المصري البسيط، وجعل من الأغنية وسيلة للتعبير عن نبض المجتمع وروحه. ولذلك لم تبقَ ألحانه حبيسة زمنها، بل تجاوزت عصرها لتصبح جزءًا خالدًا من ذاكرة مصر الفنية والوطنية.
وتبقى حياة سيد درويش وملابسات وفاته محاطة بالعديد من الروايات، ومن أشهر الروايات المتداولة أنه تعرض لمؤامرة من جانب أعوان الاحتلال الإنجليزي، وأنه مات مسمومًا بعد محاولات لتشويه صورته وإسكات صوته الوطني المؤثر. وتظل هذه الرواية حاضرة في الذاكرة الشعبية، مرتبطة بالمكانة الوطنية الكبيرة التي احتلها سيد درويش وبما مثله فنه من حضور مؤثر في مواجهة الاحتلال والتعبير عن كرامة الوطن.
ولم يترك سيد درويش لنا مجرد ألحان جميلة، وإنما ترك مدرسة فنية متكاملة أحدثت تحولًا كبيرًا في الموسيقى والغناء المصريين، وأثبت أن الفنان الحقيقي يستطيع أن يسهم في صناعة الوعي، وأن الفن حين يرتبط بالوطن والناس يتحول إلى قوة ناعمة قادرة على تجاوز حدود الزمن.
وبعد مرور 103 أعوام على رحيله، يبقى سيد درويش حاضرًا في ذاكرة الوطن الحبيب مصر، في أغنياتها وذاكرتها ووجدان شعبها، ويبقى اسمه شاهدًا على أن الموهبة الصادقة والإبداع المرتبط بالوطن قادران على تجاوز الزمن، وأن بعض الرموز لا ترحل برحيل أصحابها، وإنما تستمر حياتها في وجدان الشعوب.
لقد رحل سيد درويش وهو في الحادية والثلاثين من عمره فقط، لكن سنوات عمره القصيرة كانت حافلة بإبداع وتأثير يفوقان عمره بكثير، ولذلك بقي اسمه خالدًا في تاريخ الحركة الوطنية المصرية وتاريخ الموسيقى المصرية وبقيت ألحانه وأعماله شاهدة على عبقرية فنية ووطنية استثنائية.
رحم الله سيد درويش، أحد أعمدة الموسيقى المصرية، الذي عاش قصيرًا في عمره، لكنه كان وما زال عظيم الأثر، خالد الذكر، باقيًا في ذاكرة مصر وتاريخها الفني والوطني.


