أيهما أكثر إرهاقًا.. الصمت أم الكلام؟

بقلم .. أ.د. فتحي الشرقاوي
من الذي أقنعنا إن الصمت والسكوت أسهل من الكلام؟ هذا الكلام ليس صحيحًا على إطلاقه،نحن أحيانًا نتعامل مع الصمت وكأنه حالة من الراحة، وكأن الإنسان حين لا يتكلم لا يبذل جهدًا، بينما قد يكون الصمت في بعض المواقف أكثر استنزافًا نفسيًا وانفعاليًا وعصبيًا من الكلام نفسه،فالكلام في حد ذاته، ليس مجرد فتح للفم وإخراج للكلمات فقبل أن تتحدث، أنت تفكر ماذا سأقول وكيف سأقوله وما الذي يجب أن أقوله وما الذي ينبغي ألا أقوله ،وكيف سيفهمني الآخر وما رد فعله المتوقع،ووماذا يمكن أن تترتب على كلماتي من نتائج ومسؤوليات، إذن الكلام نفسه يحتاج إلى جهد معرفي وانفعالي واجتماعي لكن ماذا عن الصمت، هنا تبدأ الحكاية الأكثر تعقيدًا.
أحيانًا لا تصمت لأنك لا تملك شيئًا تقوله وإنما لأن بداخلك كلام كثير جدًا تريد أن تعترض فتسكت، تريد أن تعبر عن غضبك فتسكت، تريد أن تقول إنك تألمت فتسكت،تريد أن تطالب بحقك فتسكت،تريد أن تقول لشخص ما أنت أخطأت في حقي لكنك تتراجع خوفًا من أن يغضب أو يسيء فهمك فتسكت،وفي كل مرة تفعل ذلك، لا تختفي المشاعرإنما تنتقل إلى الداخل
وهنا نحتاج إلى التمييز بين نوعين من الصمت صمت ناضج اختياري، يختار فيه الإنسان ألا يتحدث لأنه يرى أن الكلام لن يكون مفيدًا أو أن التوقيت غير مناسب وهذا الصمت قد يكون حكمة،أما الصمت القهري الناتج عن الخوف أو العجز أو إرضاء الآخرين أو تجنب الصراع، فشيء آخر تمامًا ،هذا النوع قد يصبح شكلًا من أشكال كبت الانفعال،وعندما تتكرر عملية الكبت قد يعيش الإنسان ما يشبه الصراع الداخلي بين أنا أريد أن أقول ولكنني أخشى أن أقول، وهذا الصراع في حد ذاته يستهلك طاقة نفسية كبيرة،فأنت لا تصمت فقط ولكنك تدير معركة داخلك،الشخص الصامت في هذه الحالة لا يجلس بلا عمل على العكس قد يكون عقله يعمل بأقصى طاقته
إن محاولة كبح التعبير الانفعالي باستمرار قد تكون مرهقة؛ لأن الانفعال لا يختفي بمجرد منعه من الظهور، لهذا نجد بعض الأشخاص الذين ظلوا سنوات يقولون أنا كويس،مفيش حاجة أنا مش زعلان، كبر دماغك، بينما الحقيقة النفسية في داخلهم قد تكون شيئًا آخر تمامًا،فالوجه يبدو هادئ لكن الداخل مزدحم.
وهنا تكمن المشكلة،فالناس ترى الإنسان من الخارج هادئًا ومتزنًا وصبورًاومتسامحًا(راجل عاقل ومبيعملش مشاكل) لكن لا أحد يرى دائمًا ما يحدث في الداخل، هذا ليس نضجًا بالضرورة،نضجك النفسي ليس أن تبتلع كل شيء وليس أن تتحول إلى شخص لا يعترض أبدًاوليس أن تقول حاضر بينما بداخلك ألف “لا” لا تخلطوا بين الصمت والحكمة
هناك ثقافة اجتماعية كاملة أقنعت بعض الناس بأن الكلام ضعف وأن السكوت قوة، وأن التعبير عن الألم شكوى وأن الدفاع عن الحقوق وجع دماغ،هذه أفكار تحتاج إلى مراجعة.
فليس كل كلام تهورًا، وليس كل صمت حكمة،قد يكون الكلام الواضح والمحترم أكثر نضجًا من الصمت الذي يخفي خوفًا
علم النفس علم للحياة
مجردخاطره
ا.د.فتحي الشرقاوي
أستاذ علم النفس
جامعة عين شمس



