ترامپ یوقّع أم لا؟!

بقلم يوسف حسن
حتى الآن، أدّت زيارة الجنرال عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، إلى طهران إلى “اختراق جدي” في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة للوصول إلى اتّفاق مؤقت وأولي؛ وهو اتّفاق كان محتملاً كما قيل سابقاً. بعد هذه المذكرة التفاهميّة، سيتفاوض الطرفان خلال 60 يوماً للوصول إلى اتّفاق نهائي بشأن تفاصيل الملف النووي. بالطبع، الاتفاق الشامل والنهائي ليس بالأمر الهيّن كما قيل سابقاً، وهو بعيد المنال حالياً.
يبدو الآن أن الكرة في ملعب ترامب، إما بقبول هذه المذكرة المؤقتة أو رفضها. والحقيقة أن الرئيس الأميركي لديه دوافع ومحركات لتوقيع هذا الاتفاق المبدئي، وفي المقابل هناك عوامل وعوائق متعددة قد تمنع ذلك.
ما قاله ترامب قبل أيام مستنداً إلى قادة المنطقة لتبرير تأجيل الحرب، وعاد أمس إلى استخدام ذات الأسلوب للترويج للاتفاق المؤقت، ليبرّر بذلك تراجعه عن مواقفه السابقة؛ يُعتبر مؤشراً إيجابياً على استعداده لتوقيع هذا الاتفاق. فلو كان ترامب يريد أصلاً الالتزام بكلام قادة المنطقة، لما كان أشعل هذه الحرب من الأساس. لكنه اليوم، ومن أجل الخروج من هذا المستنقع الذي صنعه بنفسه، يستغلهم ويوظّفهم.
أمّا في المقابل، فقد تعرّض ترامب منذ أمس لهجوم عنيف داخل أمريكا من جانب حلفائه ومعارضيه، وكذلك من داخل إسرائيل، فلا أحد يعتبره رابحاً من هذا الاتفاق المبدئي، بل يصفونه بالخاسر؛ لدرجة أن بعض حلفائه وصفوا الاتفاق الحالي بأنه أسوأ من الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA).
هذه الانتقادات نفسها خلقت جواً ثقيلاً ضد ترامب داخل أمريكا، وقد تستفز شخصيته النرجسية وتمنعه من توقيع الاتفاق وحل المسائل القليلة العالقة.
رغم أن بعض المصادر الأميركية تحدّثت، للتخفيف من هذا الوضع، عن “تمديد لوقف إطلاق النار 60 يوماً”، إلا أن نص المذكرة نفسها يؤكد على إنهاء الحرب في جميع الجبهات بما فيها لبنان. في المقابل، لم تقدم إيران التزاماً واضحاً بتحديد مصير تخصيب اليورانيوم ومخزوناته، وتم تأجيل هذه المسائل إلى المفاوضات خلال الـ60 يوماً القادمة.
بغض النظر عما سيحدث، وبدون الخوض في المشاكل والقضايا الداخلية الإيرانية، فإن ما يتعلق بالحرب والاتفاق المؤقت الحالي حتى الآن، يُظهر من ناحية أن قبول إنهاء الحرب دون حسم الملف النووي يمنح إيران اليد العليا في الاتفاق المؤقت، ومن ناحية أخرى يُشكّل صداعاً كبيراً لكل من ترامب ونتنياهو. حرب بدأت بهدف أساسي هو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، ها هي تنتهي باتفاق لا يحصل فيه ترامب على أي تنازل نووي، بل إن إيران وبموجب الاتفاق المبدئي أصبح بمقدورها إنهاء الحرب باستخدام “بطاقة مضيق هرمز”، وتحرير جزء من أصولها، والحصول على إعفاءات لبيع نفطها المحظور.
إضافة إلى ذلك، فإن افتراض قبول وقف الحرب في لبنان ضمن الاتفاق المبدئي مع طهران يعني “اعترافاً”، سواء أرادوا أم أبوا، بالنفوذ والدور الإقليمي لإيران، حتى لو حاولت إسرائيل انتهاكه بهجماتها. وهذا يأتي في الوقت الذي كان الهدف الكبير الآخر للحرب هو خلق وضع إقليمي ينهي النفوذ الإقليمي لإيران، لا أن يعترف به بشكل أو بآخر.
مجمل ما تقدّم يجعل القرار النهائي صعباً جداً على ترامب. إذا وقّع، فسيخرج من مستنقع الحرب ليدخل في مستنقع هجمات سياسية أشدّ داخل أمريكا. وإذا لم يوقّع وأعاد إصدار أوامر الهجوم، فسيزيد الوضع تعقيداً وأزمة.
علينا الانتظار لنرى ماذا سيفعل في هذا المأزق الضيق: هل يوقّع الاتفاق؟ أم يشن هجوماً آخر ثم يتوصّل إلى اتفاق؟!


