أمين بلمزوقية : إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي خطوة سيادية تنقل المغرب من الاستهلاك إلى الإنتاج التكنولوجي
أمين بلمزوقية : إحداث وزارة للذكاء الاصطناعي خطوة سيادية تنقل المغرب من الاستهلاك إلى الإنتاج التكنولوجي

كتب: حسام عبد الله
أشاد السيد أمين بلمزوقية، رئيس الاتحاد الدولي للذكاء الاصطناعي، بقرار إدراج الذكاء الاصطناعي صراحةً ضمن تسمية وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة في تشكيلة الحكومة الجديدة، واصفاً إياه بـ «المفاجأة المتوقعة».
وقال بلمزوقية في تصريح صحفي، إن هذا القرار «ليس مجرد تغيير إداري، بل هو إعلان سيادي يعكس إدراكاً عميقاً بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تكنولوجيا ناشئة، بل أصبح قوة استراتيجية تعيد رسم موازين الاقتصاد والمعرفة، وتؤثر في مكانة الدول».
وأضاف أن المغرب يمتلك اليوم فرصة تاريخية للانتقال من موقع المتابع للتحولات التكنولوجية العالمية إلى موقع المساهم في صناعتها، شريطة التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعاً وطنياً استراتيجياً، لا مجرد قطاع تقني معزول.

وقال: “لقد دخل العالم مرحلة جديدة، لم يعد السؤال فيها هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر حياتنا ومؤسساتنا واقتصاداتنا، بل أصبح السؤال الحقيقي: من سيقود هذه الثورة، ومن سيكتفي باستهلاك نتائجها؟ ومن سيمتلك أدوات إنتاج المعرفة والتكنولوجيا، ومن سيظل رهيناً لاستيرادها؟”
من هذا المنطلق، فإن إدراج الذكاء الاصطناعي في التسمية الحكومية يحمل دلالات تتجاوز البعد الإداري أو الرمزي، ليعكس اعترافاً بأهمية هذا المجال في رسم معالم المرحلة المقبلة. كما يمكن أن يشكّل مؤشراً على توجه نحو جعل الذكاء الاصطناعي رافعةً أفقيةً للتنمية الوطنية، وأداةً لتحديث الإدارة العمومية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب والكفاءات الوطنية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسمية الوزارة، بل فيما ستنجح في تحقيقه على أرض الواقع. فالتاريخ لا تصنعه تغييرات المسميات، وإنما تصنعه القرارات الجريئة، والرؤى الواضحة، والاستثمارات الذكية، والقدرة على تحويل الطموحات إلى إنجازات ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
وصرّح بصفته رئيساً للاتحاد الدولي للذكاء الاصطناعي: “أرى أن المغرب يمتلك فرصة حقيقية للانتقال من موقع المتابع للتحولات التكنولوجية العالمية إلى موقع المشارك في صناعتها، شريطة التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعاً وطنياً استراتيجياً، لا مجرد قطاع تقني معزول”.
فالمملكة تتوفر على رأسمال بشري شاب، وكفاءات علمية وهندسية واعدة، ومؤهلات مؤسساتية واقتصادية يمكن البناء عليها لتطوير نموذج مغربي قادر على التفاعل مع الثورة العالمية في هذا المجال، مع مراعاة الخصوصيات الوطنية والأولويات التنموية.
وفي هذا السياق، رأى أن المرحلة المقبلة تفرض العمل على مجموعة من الأولويات المتكاملة، تتمثل فيما يلي:
*أولاً: بناء استراتيجية وطنية واضحة للذكاء الاصطناعي،* وذلك من خلال وضع استراتيجية تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، وآجالاً زمنية محددة، ومؤشرات دقيقة لتقييم النتائج، بما يضمن الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى رؤية وطنية متكاملة تربط البحث العلمي بالاقتصاد، والابتكار باحتياجات المجتمع.
*ثانياً: الاستثمار في الإنسان باعتباره أساس كل تحول ناجح،* وذلك من خلال تطوير التعليم والتكوين، وإدماج الثقافة الرقمية والذكاء الاصطناعي في المنظومة التعليمية، وتأهيل الموظفين والأطر، ودعم الجامعات ومراكز البحث، واستقطاب الكفاءات المغربية بالخارج، مع توفير الظروف التي تشجعها على المساهمة في بناء منظومة وطنية قوية للابتكار.
*ثالثاً: الانتقال من استهلاك الحلول الأجنبية إلى تطوير حلول مغربية،* ويتطلب ذلك دعم البحث والتطوير والشركات الناشئة، وتشجيع الاستثمار في التكنولوجيا، وتطوير نماذج وتطبيقات تراعي اللغة العربية والأمازيغية والخصوصيات الثقافية والاجتماعية المغربية. فسيادة الدول في العصر الرقمي لن تُقاس فقط بقدرتها على استخدام التكنولوجيا، بل أيضاً بمدى امتلاكها للمعرفة والبيانات والبنية التحتية والقدرات البشرية اللازمة لإنتاجها وتوجيهها.
*رابعاً: جعل الإدارة العمومية مختبراً وطنياً لتطبيقات الذكاء الاصطناعي المسؤول،* وذلك من خلال تبسيط المساطر الإدارية، وتحسين جودة الخدمات، وتسريع معالجة الملفات، وتطوير الخدمات الاستباقية، وتعزيز الشفافية والنجاعة. فالمواطن لا ينتظر من الذكاء الاصطناعي خطابات عن المستقبل بقدر ما ينتظر إدارة أكثر سرعة وفعالية وإنصافاً، تحترم وقته وحقوقه وكرامته.
*خامساً: وضع إطار قوي للحكامة والأخلاقيات وحماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني،* وذلك بما يضمن الاستخدام الآمن والعادل والشفاف لهذه التقنيات، ويحمي المواطنين من مخاطر التمييز الخوارزمي والتضليل الرقمي وسوء استخدام البيانات. إننا لا نريد ذكاءً اصطناعياً متقدماً من الناحية التقنية فحسب، بل نريد ذكاءً اصطناعياً موثوقاً، يتمحور حول الإنسان ويخدم الصالح العام.
*سادساً: ربط الذكاء الاصطناعي بالقطاعات الأساسية للتنمية المغربية،* وفي مقدمتها الصحة والتعليم والفلاحة والصناعة والطاقة والماء والنقل والعدالة والإدارة. كما ينبغي وضع آليات لتقييم الأثر الاقتصادي والاجتماعي لهذه التطبيقات، وضمان ألا تتحول الثورة التكنولوجية إلى مصدر جديد لتوسيع الفوارق الرقمية أو المجالية.
ولا تقل أهميةً عن هذه الأولويات ضرورة بناء شراكات دولية متوازنة، تتيح للمغرب الاستفادة من الخبرات والتجارب العالمية، وتعزز حضوره في النقاشات الدولية المتعلقة بحوكمة الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني وتطوير القدرات المحلية.
أما بخصوص المسؤول الجديد الذي سيتولى هذه الحقيبة الوزارية، فإنني أتمنى له كامل التوفيق والنجاح في هذه المهمة الاستراتيجية التي تأتي في لحظة تاريخية دقيقة. إنها مسؤولية تتجاوز تدبير قطاع حكومي، لأنها ترتبط بجزء أساسي من مستقبل المغرب الاقتصادي والعلمي والإداري، وبموقعه في عالم تتسارع فيه المنافسة على امتلاك التكنولوجيا وصناعة المعرفة.
وأعتقد أن نجاح هذه المهمة يتطلب رؤية استشرافية، وجرأة في اتخاذ القرار، وقدرة على التنسيق بين القطاعات الحكومية والجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات البحث العلمي، فضلاً عن الانفتاح على الكفاءات الوطنية والدولية، والاستماع إلى الشباب والمبتكرين ورواد الأعمال. كما يتطلب وضع برنامج عمل واضح، بأولويات محددة ونتائج قابلة للتقييم، حتى لا تضيع هذه الفرصة التاريخية وسط التعقيدات الإدارية أو تشتت المبادرات.
إننا اليوم أمام فرصة لا ينبغي أن نكتفي بالاحتفاء برمزيتها، بل علينا أن نحولها إلى نقطة انطلاق نحو تحول وطني حقيقي. فالمغرب لا يحتاج فقط إلى مواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي، بل يحتاج إلى بناء موقع خاص به داخلها، مستنداً إلى كفاءاته وقيمه ومؤسساته وطموحه التنموي.
وأختم بالتأكيد على أن إدراج الذكاء الاصطناعي صراحةً في التسمية الحكومية خطوة تستحق التقدير، لكن قيمتها الحقيقية ستُقاس بما ستفتحه من فرص، وما ستنتجه من حلول، وما ستُحدثه من أثر في حياة المواطنين ومكانة المملكة. وأتمنى للمسؤول الجديد كل النجاح والتوفيق في أداء هذه الأمانة الوطنية، واضعاً نصب عينيه أن نجاح هذه المهمة ليس نجاحاً لوزارة أو مسؤول فحسب، بل هو نجاح للمغرب، ولشبابه، ولكفاءاته، ولمستقبله في عصر الذكاء الاصطناعي.
فالمستقبل لن ينتظر المترددين، والفرص التي تتيحها هذه الثورة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في أن نجعل من هذه اللحظة بدايةً لانتقال المغرب من مرحلة استيعاب التحول التكنولوجي إلى مرحلة المساهمة في صناعته، بثقة وطموح ومسؤولية.



