قراءة في كلمة السيسي في الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين

بقلم / مريم آل عيسى
في كلمته خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي رسائل سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المناسبة الوطنية، لتتناول طبيعة العلاقة المصرية الإسرائيلية، وثوابت الأمن القومي المصري، ومستقبل السلام في الشرق الأوسط.
وجاءت أهمية الكلمة من توقيتها ومضمونها؛ إذ جاءت في ظل تصريحات إسرائيلية متعلقة بسيناء أثارت تساؤلات بشأن الموقف من الأراضي المصرية، وفي وقت لا تزال فيه القضية الفلسطينية تمثل أحد أبرز مصادر التوتر في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس أن مصر استعادت كامل أراضيها بعد حرب خاضتها دفاعًا عن أرضها، وأنها لا تحمل مطامع تجاه أحد، وأن معاهدة السلام تمثل الإطار الحاكم للعلاقات المصرية الإسرائيلية. كما شدد على أن حل الدولتين، بقيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيلية، يمثل المسار الذي تتبناه مصر لتحقيق الاستقرار لأجيال مقبلة.
وتبرز القيمة السياسية للكلمة في أنها تطرح معادلة واضحة: مصر تتمسك بالسلام، لكنها لا تتنازل عن سيادتها؛ وتدعم الاستقرار، لكنها لا تفصل بينه وبين الحقوق الفلسطينية؛ وترفض الحرب، لكنها لا تتخلى عن مسؤوليتها في حماية أمنها القومي.
ومن هنا، فإن قراءة الكلمة قراءة متأنية تكشف عن مجموعة من الرسائل التي يمكن أن يكون لها أثر إيجابي في استقرار مصر والمنطقة، إذا تحولت إلى التزامات وسياسات عملية لدى جميع الأطراف.
وتبرز القيمة السياسية للكلمة في أنها تطرح معادلة واضحة: مصر تتمسك بالسلام، لكنها لا تتنازل عن سيادتها؛ وتدعم الاستقرار، لكنها لا تفصل بينه وبين الحقوق الفلسطينية؛ وترفض الحرب، لكنها لا تتخلى عن مسؤوليتها في حماية أمنها القومي..
فحرب أكتوبر عام 1973 مثلت محطة حاسمة في استعادة الثقة بالقدرة المصرية على مواجهة التحديات العسكرية، وأسهمت في تغيير المعادلات التي حكمت الصراع العربي الإسرائيلي. وبعد سنوات من المواجهة، انتقلت مصر إلى المسار الدبلوماسي الذي انتهى بتوقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
إن الربط بين تجربة الحرب وتجربة السلام يقدم درسًا مهمًا: استعادة الأرض هدف وطني، والمحافظة عليها ومنع تجدد الحرب هدف وطني آخر لا يقل أهمية.
فالدولة لا تقيس نجاحها فقط بقدرتها على خوض المواجهة، وإنما كذلك بقدرتها على منع تكرارها عندما تتوافر الوسائل السياسية والقانونية التي تحمي مصالحها.
ومن هذه الزاوية، فإن جنوح مصر إلى السلم لا يمثل قطيعة مع روح أكتوبر، بل يمكن فهمه باعتباره أحد الدروس المستفادة من التجربة التاريخية؛ فالقوة العسكرية كانت عنصرًا أساسيًا في استعادة الحقوق، ثم أصبح المسار السياسي وسيلة لتثبيت إطار العلاقات ومنع العودة إلى الحرب المباشرة.
وهذا لا يعني أن كل خلاف يمكن حله بالتفاوض وحده، أو أن الاتفاقات تكفي من دون استعداد دفاعي، وإنما يعني أن توظيف القوة والدبلوماسية معًا قد يحقق للدولة مصالح أكثر استدامة من استمرار المواجهة بلا أفق سياسي.
وتتمثل إحدى أهم دلالات الكلمة في تأكيد أن مصر لا تنظر إلى السلام باعتباره نسيانًا للماضي، وإنما باعتباره وسيلة لحماية ما تحقق من مكتسبات وطنية، وصيانة دماء المصريين، وتوجيه الجهد الوطني إلى التنمية والبناء.



