مختارات

في ذكرى نصر أكتوبر المجيد

يظل السادس من أكتوبر يومًا لا يشبه غيره في الذاكرة المصرية. يومًا لم تُكتب تفاصيله بالحبر، بل كُتبت بدماء الشهداء، وصبر الأسر، وتضحيات الجنود، وإرادة شعب آمن بأن ما فُقد يمكن استعادته، وأن الهزيمة مهما كانت قاسية لا تستطيع أن تهزم أمة قررت أن تنهض.

في السادس من أكتوبر عام 1973، لم يكن العبور مجرد عبور لقناة السويس، وإنما كان عبورًا من الألم إلى الأمل، ومن مرارة الهزيمة إلى فخر الانتصار. كان لحظة استعاد فيها المصريون ثقتهم بأنفسهم، وأثبتوا أن الأرض التي دافعوا عنها ليست مجرد حدود على خريطة، بل جزء من كرامة وطن وذاكرة شعب.

كانت لحظة العبور ثمرة سنوات طويلة من الاستعداد والتخطيط وإعادة بناء القوات المسلحة. وعندما عبر الجنود المصريون القناة وحطموا خط بارليف وأقاموا رؤوس الجسور على الضفة الشرقية، لم يكونوا يحملون السلاح وحده، بل كانوا يحملون أحلام ملايين المصريين الذين انتظروا هذا اليوم، وأمهات ودّعن أبناءهن وهن يعرفن أن الوطن قد يطلب منهم أغلى ما يملكون.

أكتوبر في قلب المصريين

لهذا السبب، لا يمكن أن تختزل ذكرى أكتوبر في تفاصيل معركة أو أرقام عسكرية. فخلف كل جندي عبر القناة كانت هناك أسرة تنتظر، وخلف كل شهيد قصة وحياة وأحلام توقفت من أجل أن تبقى راية الوطن مرفوعة.

وحين نتحدث اليوم عن نصر أكتوبر، فإننا نتذكر أولئك الذين لم يعودوا ليشهدوا لحظة النصر، ونتذكر الجرحى الذين حملوا آثار الحرب، والأسر التي عاشت سنوات طويلة من القلق والانتظار. نتذكرهم لأن النصر لم يكن هدية، بل كان ثمنه غاليًا، دفعه أبناء هذا الوطن من أعمارهم ودمائهم وقلوبهم.

ولعل أجمل ما تركه أكتوبر للمصريين ليس فقط استعادة الأرض، وإنما استعادة الإيمان بالقدرة. القدرة على النهوض بعد الانكسار، وعلى تحويل الألم إلى قوة، والخوف إلى شجاعة، واليأس إلى أمل.

فالهزيمة لم تكن نهاية الحكاية، وإنما كانت بداية لإرادة جديدة أعادت بناء القوات المسلحة، وأعادت معها بناء الثقة في قدرة مصر على استعادة حقها. وهنا تكمن إحدى أهم رسائل أكتوبر: أن الوطن قد يتعرض للانكسار، لكنه لا يُهزم ما دام أبناؤه قادرين على النهوض من جديد.

*رحم الله شهداء الوطن، وحفظ مصر وأبنائها، وبقيت روح أكتوبر في وجداننا تذكرنا دائمًا أن النصر يبدأ من إرادة لا تعرف الاستسلام.*

بقلم / مريم آل عيسى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى