حفنة من رمال سيناء على القلب».. العريف عبد اللطيف يروي حكاية العبور والحصار والنصر

ستظل حرب أكتوبر المجيدة واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ مصرنا المعاصر وتاريخ الأمة العربية، ويظل السادس من أكتوبر يومًا للكرامة والعزة واسترداد الأرض، ويومًا أثبت فيه الجندي المصري أن المستحيل لا مكان له أمام الإرادة والعزيمة والإيمان بالوطن.
ففي السادس من أكتوبر عام 1973، خاضت مصر واحدة من أعظم ملاحمها العسكرية، حين عبر جنودها قناة السويس، وحطموا أسطورة خط بارليف، ورفعوا العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة، في ملحمة ستبقى شاهدة على عظمة هذا الشعب وجيشه.
ومن حق أبطال أكتوبر علينا أن نخلد ذكراهم ونحتفي بهم في كل عام، وأن نضع من بقي منهم على قيد الحياة فوق الرؤوس، تقديرًا لما قدموه من تضحيات وبطولات من أجل مصر. وبعد مرور 53 عامًا على انتصارات أكتوبر، تزداد مسؤوليتنا في أن نستمع إلى هؤلاء الأبطال، وأن ننقل شهاداتهم إلى الأجيال الجديدة، حتى تبقى تفاصيل تلك الأيام حاضرة في الذاكرة الوطنية.
ولعل كلمات الرئيس الراحل محمد أنور السادات، عن أبطال أكتوبر، تلخص جانبًا من هذه المسؤولية، حين قال: «سوف يجيء يوم نجلس فيه ونقص ونروي ونحكي دور كل واحد منا، وكيف خرج الأبطال من هذا الشعب يحملون مشاعل النور».
واليوم، نستعيد قصة واحد من هؤلاء الأبطال، ممن حملوا مشاعل النور وعاشوا تفاصيل العبور والانتصار والحصار، ثم عادوا إلى الحياة المدنية ليواصلوا رسالتهم في بناء الأجيال.
إنه العريف عبد اللطيف عبد الفتاح عبد اللطيف، أحد أبطال ملحمة العبور، وأحد أبناء القوات المسلحة المصرية الذين التحقوا بالخدمة عام 1969، وظل في صفوف الجيش حتى نهاية الحرب، قبل أن يخرج من الخدمة عام 1974، بعد نحو خمس سنوات قضاها جنديًا في خدمة الوطن.
من التجنيد إلى جبهة القتال
كان عبد اللطيف ضمن الكتيبة 517 دفاع جوي، التي كانت متمركزة في منطقة الشيخ سلامة. ومع بدء معركة العبور، صدر الأمر إلى الكتيبة بالتحرك في اليوم التالي للعبور إلى منطقة الشلوفة، واتخاذ مواقعها ومهامها على الجبهة.
وكانت مهمة العريف عبد اللطيف داخل غرفة العمليات، حيث كان يتولى رصد الطائرات المعادية، ومتابعة تحركاتها، والإبلاغ عنها فور ظهورها، في واحدة من المهام التي تتطلب يقظة وتركيزًا دائمين، لأن ثواني قليلة قد تصنع الفارق في أرض المعركة.
وبعد سنوات طويلة، لا يزال البطل يتذكر تفاصيل تلك الأيام وكأنها وقعت بالأمس.
«الله أكبر».. أول لحظة على أرض سيناء
ومن أكثر المشاهد التي بقيت محفورة في ذاكرة عبد اللطيف، لحظة عبورهم إلى الضفة الشرقية لقناة السويس ووصولهم إلى أرض سيناء.
فما إن وطئت أقدامهم رمال سيناء حتى تعالت أصوات الجنود:
«الله أكبر.. الله أكبر»
كانت لحظة اختلطت فيها مشاعر الفرح بالنصر مع مشاعر الفخر بالوطن.
ويحكي عبد اللطيف أن بعض الجنود لم يتمالكوا أنفسهم من شدة الفرحة، فكان منهم من يأخذ حفنات من رمال سيناء ويشمها، ومنهم من كان يضع الرمال على صدره، وكأنه يحتضن الأرض التي حُرم المصريون من الوصول إليها لسنوات.
لم تكن تلك الرمال بالنسبة لهم مجرد تراب، وإنما كانت رمزًا لأرض عادت إلى أصحابها، وذكرى لنصر دفعوا من أجله الكثير.
عروس تنتظر بطلها
وقبل الحرب بنحو شهرين فقط، كانت حياة عبد اللطيف قد شهدت واحدة من أهم محطاتها الإنسانية.
ففي الثاني من أغسطس عام 1973، عقد قرانه وأقيم زفافه على السيدة فايزة يوسف، لتبدأ قصة زواج لم تكن تعرف أن الأيام القليلة التالية ستضعها أمام اختبار صعب.
كانت الحرب تقترب، وكان احتمال الذهاب إلى الجبهة والاستشهاد حاضرًا في وجدان كل أسرة مصرية تقريبًا، لكن ذلك لم يمنع العروس من استكمال فرحتها.
وتروي السيدة فايزة أنها كانت فخورة بأنها تتزوج من رجل يؤدي واجبه تجاه وطنه، وكانت ترى في زوجها بطلًا من أبطال مصر، ولم تكن تخشى أن تكون زوجة لجندي قد يذهب إلى الحرب.
وحين اندلعت الحرب في السادس من أكتوبر، تحولت فرحتها إلى انتظار ودعاء.
كانت تدعو له كل يوم بالنصر والعودة سالمًا، وتعيش على أمل أن يعود زوجها من أرض المعركة بعد أن يؤدي واجبه.
وكانت تلك المشاعر تعكس حال آلاف الأسر المصرية في ذلك الوقت؛ أمهات وزوجات وأخوات وبنات ينتظرن أخبار رجال خرجوا إلى الجبهة، بينما لم يكن أمامهن سوى الدعاء والصبر والثقة في جنود مصر.
وظلت فايزة تنتظر زوجها حتى انتهت الحرب وعاد إليها، حاملاً معه ذكريات لا يمكن أن تنساها الأسرة مهما مرت السنوات.
حصار الجيش الثالث.. اختبار آخر للصمود
لكن رحلة عبد اللطيف في الحرب لم تنتهِ بانتهاء لحظة العبور.
فقد كان ضمن قوات الجيش الثالث التي تعرضت للحصار، وعاش مع زملائه أيامًا قاسية في ظل نقص المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، وهي فترة شكلت اختبارًا جديدًا لقدرة الجنود على التحمل والصمود.
ويستعيد البطل تلك الأيام بوصفها واحدة من أصعب الفترات التي مر بها هو وزملاؤه، بعدما وجدوا أنفسهم في ظروف شديدة القسوة، لكن الحصار ونقص الطعام والمعاناة لم تنل من عزيمتهم.
كانوا مؤمنين بأنهم أدوا واجبهم، وأن ما تحملوه لم يكن من أجل أنفسهم، وإنما من أجل مصر.
ولم تستطع قسوة الظروف أن تفتت إرادتهم أو تهز ثقتهم في النصر.
من ساحات القتال إلى ساحات التعليم
وبعد أن أدى عبد اللطيف واجبه في القوات المسلحة، خرج من الخدمة عام 1974، لكنه لم يتوقف عن خدمة وطنه.
فقد التحق بمجال التربية والتعليم، ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته، هذه المرة في مهمة بناء الإنسان وتربية الأجيال.
عمل في التربية والتعليم حتى بلغ سن المعاش، وتدرج في عمله حتى وصل إلى منصب موجه أول بالتربية والتعليم.
ورغم بلوغه الثمانينيات من عمره، لم يتخلَّ عن رسالته، فما زال يشارك في إدارة إحدى المدارس الخاصة، مواصلًا دوره في خدمة التعليم وتربية الأجيال.
وكأن القدر اختار له أن ينتقل من مهمة الدفاع عن الوطن في ساحات القتال إلى مهمة أخرى لا تقل أهمية، وهي بناء الإنسان وتعليمه.
«لابد أن نحكي للأجيال»
يؤكد عبد اللطيف أنه يشعر بالفخر لأنه كان واحدًا من أبطال حرب أكتوبر، وأن ذكريات الحرب لم تغادره طوال هذه العقود.
ودائمًا ما يحكي لأبنائه وأحفاده تفاصيل ما عاشه، من لحظة العبور، إلى فرحة الجنود برؤية أرض سيناء، وصولًا إلى أيام الحصار والمعاناة.
ويرى أن رواية هذه الذكريات ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما مسؤولية تجاه الأجيال الجديدة.
فالأبطال الذين صنعوا النصر لم يفعلوا ذلك من أجل أن يحتفظوا بالذكرى لأنفسهم، وإنما من أجل أن تصل رسالة أكتوبر إلى أبنائهم وأحفادهم، وأن يعرف كل جيل أن الوطن لا يُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالتضحية والعمل والإخلاص.
وبعد 53 عامًا من انتصارات أكتوبر، تبقى حكاية العريف عبد اللطيف عبد الفتاح واحدة من آلاف الحكايات التي صنعت ملحمة النصر.
حكاية جندي شاب التحق بالقوات المسلحة عام 1969، وعبر إلى سيناء بعد سنوات من الانتظار، ورفع مع زملائه أصواتهم بـ«الله أكبر»، ثم عاش قسوة الحصار، قبل أن يعود إلى بيته وزوجته التي ظلت تنتظره، ثم ينتقل من ميدان الحرب إلى ميدان التعليم.
إنها حكاية رجل حمل السلاح دفاعًا عن الأرض، ثم حمل رسالة التعليم دفاعًا عن المستقبل.
وهكذا تبقى أكتوبر أكثر من ذكرى لانتصار عسكري؛ إنها ذاكرة وطن، وقصة شعب، وسيرة رجال آمنوا بأن الأرض لا تُسترد إلا بالتضحية، وأن النصر يبدأ من الإيمان بأن ما يبدو مستحيلًا يمكن أن يصبح واقعًا حين تتوافر الإرادة.
ويبقى أبطال أكتوبر، ومن بينهم العريف عبد اللطيف عبد الفتاح، شهودًا على تلك اللحظة التي عبر فيها المصريون القناة، وعبروا معها من مرارة الهزيمة إلى فرحة النصر، وحملوا بالفعل مشاعل النور التي تحدث عنها السادات، لتصل إلى الأجيال من بعدهم.










