مقالات

قراءة في مقال “طريق الحق” للأستاذ الشرفاء الحمادي .. حين يستعيد القرآن مكانته في بناء الوعي

بقلم بهجت العبيدي 

 

في مقاله “طريق الحق”، يضع المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي يده على واحدة من أكثر القضايا إلحاحا في واقع الفكر الديني المعاصر: كيف يستعيد الإنسان المسلم قدرته على قراءة كتاب الله قراءة واعية، بعيدا عن تراكمات التأويلات البشرية التي تحولت، عبر القرون، في بعض البيئات إلى سلطات فكرية تنافس النص القرآني في تشكيل العقيدة والوعي والسلوك.

إن اللافت في هذا الطرح أنه لا ينطلق من خصومة مع الدين، كما قد يحاول البعض تصويره، وإنما من رغبة واضحة في إعادة الدين إلى منبعه الأول، وإلى مقاصده الكبرى التي تتأسس على الرحمة والعدل والسلام وحرمة الدماء وكرامة الإنسان. فهو لا يطرح القرآن، كما يفعل الكثيرون، بوصفه كتابا للطقوس وحدها، وإنما بوصفه منهجا متكاملا لبناء الإنسان والمجتمع، وإقامة علاقة سوية بين الإنسان وربه وبين الإنسان وأخيه الإنسان.

إن قوة الطرح تكمن في السؤال الذي يفرض نفسه على القارئ: إذا كان الله سبحانه وتعالى قد أنزل كتابا مبينا، وجعل الرسول مبلغا لرسالته، فلماذا يتحول الدين في أذهان الناس إلى منظومات مغلقة من الأقوال والموروثات التي تجعل الإنسان أسيرا لسلطة أشخاص عاشوا في عصور تاريخية مختلفة؟

إنها ليست دعوة إلى إلغاء التاريخ، ولا إلى إنكار جهود العلماء والمفسرين، وإنما هي دعوة إلى وضع كل إنتاج بشري في موضعه الطبيعي: اجتهاد بشري قابل للنظر والمراجعة، لا نصا مقدسا فوق النقد.

وهنا تبرز أهمية استدعاء القرآن نفسه للحوار. فالقرآن لا يطلب من الإنسان أن يلغي عقله، بل يوقظ فيه ملكة التفكير والتدبر والنظر. ولذلك فإن العودة إلى القرآن ليست مجرد عودة إلى تلاوة الألفاظ، وإنما عودة إلى العقل الذي يتدبر، وإلى الضمير الذي يميز، وإلى الإنسان الذي يتحمل مسؤولية اختياره.

ومن أقوى جوانب المقال، والتي كلها قوية، أن الأستاذ الشرفاء الحمادي يربط بين سلامة التصور الديني وسلامة السلوك الإنساني. فإذا كانت بعض القراءات الدينية تنتج الكراهية والتحريض والعنف واستباحة حقوق الآخرين، فإن من المشروع أن نسأل: هل هذه النتائج تتفق مع مقاصد الرسالة التي تصف نفسها بالهداية والرحمة والإصلاح؟

فالقرآن يقول: “وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ”، ويقول: “ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”. وهذه الآيات تجعل من الصعب منطقيا أن تُنسب إلى الرسالة الإلهية دعوات تناقض بصورة جوهرية قيم الرحمة والإحسان والحوار ورفض الفساد.

والأهم أن المقال يلفت النظر إلى خطورة تحويل الأشخاص إلى أوصياء على الدين. فحين يصبح العالِم أو الشيخ أو المفسر هو المرجعية النهائية التي لا يجوز نقدها، تتحول المعرفة الدينية من مجال للاجتهاد إلى مجال للسلطة. وعندها يصبح الخلاف مع الشخص خلافا مع الدين، والنقد للفكرة اعتراضا على الإسلام، وهو خلط بالغ الخطورة بين المقدس والبشري.

وهنا تحديدا تكمن إحدى مشكلات الوعي الديني: أن بعض الناس لا يميزون بين القرآن بوصفه نصا إلهيا، وبين فهم البشر لهذا النص. وبينما يظل القرآن ثابتا في مصدره، تبقى قراءات البشر له مرتبطة بزمانها وظروفها وأدواتها وأسئلتها، ولذلك لا يجوز أن تتحول القراءة البشرية إلى دين بديل.

ومن هذا المنطلق تأتي أهمية قوله تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا”. فالآية لا تهاجم التراث لمجرد كونه تراثا، وإنما تحذر من تعطيل العقل باسم الموروث، ومن تحويل ما ورثه الإنسان إلى معيار نهائي للحقيقة.

وهذا هو جوهر المشروع الفكري الذي يطرحه الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي: تحرير الإنسان من الخوف الفكري، وإعادته إلى مسؤولية الاختيار، وإلى قراءة القرآن بوصفه خطابا مفتوحا أمام العقل والتدبر.

كما أن مقاله يطرح قضية شديدة الأهمية في عالمنا المعاصر، وهي العلاقة بين الدين والسياسة. فعندما يستخدم الدين لتبرير السلطة أو إخضاع الناس أو استباحة أموالهم وحقوقهم، يصبح الدين أداة في يد البشر بدل أن يكون رقيبا أخلاقيا عليهم. وقد كانت النتيجة في تجارب تاريخية كثيرة أن تحولت القداسة إلى وسيلة لمنح بعض الأشخاص سلطة لا يملكونها في الأصل.

إن تحرير الدين من التوظيف السياسي لا يعني إبعاده عن الحياة، بل يعني -على العكس- إعادته إلى وظيفته الأخلاقية الكبرى: أن يكون قوة للعدل، لا أداة للهيمنة؛ وأن يحمي الإنسان، لا أن يرعبه؛ وأن يفتح باب الرحمة، لا أن يشرّع الكراهية.

ويحسب للمقال، كما في كل طرح أستاذنا الجليل، كذلك أنه لا يكتفي بالنقد، وإنما يقدم بديلا واضحا: العودة إلى القرآن باعتباره ميزانا للقيم، ومنهجا في التفكير، ومصدرا للهداية، مع الاحتفاظ بحق الإنسان في التدبر والنظر والمقارنة والنقد.

وهذه العودة لا تعني أن يقرأ الإنسان القرآن بعقل مغلق، بل بعقل أكثر انفتاحا؛ فلا يسأل فقط: ماذا قال السابقون؟ وإنما يسأل أيضا: ماذا يقول النص نفسه؟ وما مقصده؟ وما أثر فهمه في الإنسان والمجتمع؟ وهل ينتج هذا الفهم عدلا ورحمة وإصلاحا، أم ينتج خوفا وكراهية وصراعا؟

إن قيمة “طريق الحق” تكمن في أنه يحول القضية من صراع بين أشخاص ومذاهب إلى سؤال معرفي وأخلاقي أعمق: من أين نستمد معايير الحق؟ وكيف نميز بين الوحي وفهم البشر للوحي؟ ومتى يتحول التراث من ذاكرة نافعة إلى سلطة تعطل العقل؟

وهنا يصبح تحرير العقل الديني ضرورة لا ترفا فكريا. فالمجتمعات التي لا تراجع مفاهيمها تظل أسيرة الماضي، حتى لو امتلكت أحدث أدوات التكنولوجيا. ولا يمكن بناء إنسان قادر على صناعة المستقبل بعقل يخشى السؤال، أو يعتبر التفكير خروجا على الدين.

ولعل أجمل ما في هذا الطرح أنه يعيد وضع الإنسان أمام مسؤوليته الفردية. فالإيمان ليس تفويضا للعقل إلى الآخرين، ولا تسليما أبديا لأوصياء يقررون للناس ما يفكرون فيه وما يؤمنون به. إن الإنسان هو الذي سيقف أمام ربه، وهو الذي سيحاسب عن اختياراته وأعماله، ولذلك فإن تحريره من التبعية الفكرية جزء من تحرير مسؤوليته الأخلاقية.

إن “طريق الحق” في الرؤية التي يقدمها الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي ليس طريقا محفوفا بالوصاية، ولا طريقا يمر عبر الخوف من السؤال، وإنما طريق يبدأ من القرآن، ويمر بالعقل، ويُختبر بالأخلاق، وينتهي إلى الإنسان الآمن الكريم.

وهنا تتجلى قيمة الطرح القرآني المحكم الذي يقدمه المقال: أنه لا يدعو إلى إسلام جديد، وإنما إلى استعادة جوهر الرسالة؛ إسلام يجعل الرحمة أصلا، والعدل ميزانا، والسلام غاية، وحرية الاختيار مسؤولية، والعقل أداة لفهم الخطاب الإلهي، والقرآن مرجعا أعلى في بناء القيم والتشريع.

إن معركة الإنسان الحقيقية ليست مع النص، وإنما مع الوهم الذي يحجب النص؛ وليست مع الدين، وإنما مع احتكار الدين؛ وليست مع التراث بوصفه ذاكرة حضارية، وإنما مع تحويل التراث إلى سلطة مقدسة لا تقبل السؤال.

ومن هنا فإن مثال “طريق الحق” للأستاذ الشرفاء الحمادي يستحق أن يُقرأ بوصفه دعوة إلى استعادة العلاقة المباشرة بين الإنسان وكتاب الله، علاقة تقوم على التدبر لا التلقين، وعلى الحجة لا التبعية، وعلى الرحمة لا العنف، وعلى تحرير العقل لا إخضاعه.

فحين يستعيد القرآن مكانته في الوعي، ويستعيد العقل حريته في التدبر، ويستعيد الإنسان مسؤوليته عن اختياراته، يصبح الطريق إلى الحق أكثر وضوحا، وتصبح الرسالة الدينية أقرب إلى مقصدها الأسمى: إنسان يعرف ربه، ويحترم الإنسان، ويعمر الأرض، ويكف الأذى، وينشر الخير والسلام.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى