مقالات

حرية العقيدة … الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي يوضح ردا على القس جرجس عوض

حرية العقيدة والاعتقاد

‎رداً على الصديق العزيز والإعلامي الكبير/ مجدي طنطاوي في مقال (حين يصبح الايمان جريمة) (علماً بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية)

‎بدءاً ذي بدء، أودّ أن أنوّه إلى أن الدين فكر وعقيدة واعتقاد، ولا يجب أن يكون من “الممتلكات”؛ فالفكر لا يُورَث لكونه فكراً، والفكر أساسه الحرية، والاعتقاد حق لكل إنسان على هذه الأرض. للإنسان كامل الحق في اختيار دينه أو مذهبه أو حتى رفض هذه العقائد؛ فالإيمان في جوهره علاقة شخصية ومباشرة بين الإنسان وخالقه.

‎إذا نظرنا إلى المجتمعات الغربية، نجد أن هذه المفاهيم مستقرة؛ فقد تجد عائلة واحدة يتعدد فيها الاعتقاد بين أفرادها، لكن تظل رابطة الأسرة تجمعهم، والمحبة والود يقربان بينهم.

‎أولاً، أتقدم بخالص الشكر لمعالي الأستاذ مجدي طنطاوي لطرحه هذه القضية الشائكة التي تؤرق أذهان الكثيرين، ولا سيما في منطقتنا العربية. وحين نطرح مثل هذا الموضوع للنقاش، يجب علينا أن نطرحه من منظور إنساني واجتماعي شامل؛ ومن هنا أرى أن طرح الأستاذ مجدي جاء من زاوية أحادية، بينما القضية تعكس أزمة إنسانية واجتماعية عامة تعاني منها أغلب المجتمعات الشرقية بغض النظر عن الدين.

‎ويمكننا تفنيد هذه الأزمة في النقاط التالية:

الموقف اللاهوتي المسيحي من حرية الإرادة: تُجمع التعاليم المسيحية على رفض القسر والاضطهاد تجاه من يترك الإيمان؛ فليس في الفكر المسيحي عقوبة للردة أو السيف. الإيمان المسيحي يرتكز بالكامل على “الإرادة الحرة”. أما حزن الأسر أو المجتمع الكنسي عند ترك أحد أبنائه للإيمان، فهو رد فعل عاطفي واجتماعي إنساني طبيعي لا علاقة له باللاهوت. لكن تحويل هذا الحزن إلى حرب تشويه أو تضييق هو سلوك اجتماعي متعصب يرفضه الفكر المسيحي اللاهوتي؛ فالله لا يقبل إيماناً يُفرض بالإكراه.

صديقي العزيز اري ان من غير المنصف إجرائياً نقد ردود أفعال البيئة المسيحية (أو الاجتماعية) تجاه من يتحول عن ديانته، وفي المقابل الاستشهاد بنصوص دينية مثالية تدعو للحرية من الطرف الآخر. المقال هنا يقع في مقارنة غير متكافئة؛ إذ يقارن سلوكيات أفراد عمليين ناتجة عن الممارسة، بنصوص ناطقة بالمثاليات. وقد غاب عن صديقي العزيز أن المعاناة والرفض المجتمعي أمور عامة، بل إن الرفض قد يكون من الطرف المغاير أشرس وأشد عنفاً.

قضية تغيير الدين في الشرق ليست مجرد قضية لاهوتية أو عقائدية، بل هي صراع هوية وثقافة ومخاوف مجتمعية؛ حيث يُنظر للتحول الديني غالباً “انسحاب من الجماعة” أو “تهديد للوجود”، وهو ما يفسر الضغط المجتمعي الحاصل في كل الاتجاهات.

مقالكم الكريم تناول الصعوبات التي يواجهها من يتحول إلى الإسلام، وقد تغافل كم من المعاناة التي يواجهها المسلمين الذين اختاروا اعتناق المسيحية (رجالاً ونساءً) فهم يواجهون عواقب أشد ضراوة وأكثر تعقيداً على المستويات الاجتماعية والقانونية والأمنية في أغلب دول المنطقة:

مثل يواجه العابرون غالباً الرفض التام من عائلاتهم، والذي يصل إلى القطيعة الكاملة، والتهديد بالطرد، والتجريد من الحقوق المالية والأسرية، وفي حالات كثيرة التعرض للعنف الجسدي أو التهديد المباشر بالقتل .

ليس هذا فحسب بل في معظم الدول ذات الأغلبية المسلمة، يُسمح للمسيحي بتحويل ديانته إلى الإسلام رسمياً في الأوراق الثبوتية بسهولة، بينما يُحظر تماماً على المسلم تغيير ديانته رسمياً في أوراقه الثبوتية، مما يحرمه من حقوقه المدنية الأساسية، ويضع زواجه وأبناءه في وضع قانوني معقد.

نماذج وقصص واقعية: شهد التاريخ المعاصر حالات عديدة لأفراد عاديين واجهوا الهجوم والتشريد بعد اعتناقهم المسيحية، اضطر الكثير منهم للهجرة أو العيش بأسماء مستعارة لحماية حياتهم.

‎إن حرية الضمير والعقيدة هي حق أصيل لكل إنسان، والمعركة الحقيقية — كما ذكرتم في المقال بحق — هي معركة ضد المصادرة والتعصب؛ ولكن يجب أن نكيل بمكيال واحد ونُدين القمع بمسطرة واحدة، سواء كان المعتنق قد انتقل إلى الإسلام أو إلى المسيحية وهذه هي رسالتنا رسالة السلام العالمية وهذا ما تعلمناه من استاذنا ومفكرنا الكريم الاستاذ علي محمد الشرفاء

ودعنا نتحد معا بقلب واحد ان نضع حدا لهذا العبث ليكن لكل انسان حرية كاملة للعقيدة والاعتقاد وتاتي اولا بحذف خانة الديانة من بطاقة الرقم القومي

‎ختاماً اقدم لمعاليك نصوص من الكتاب المقدس تؤكد الإرادة والحرية:

«وَإِنْ سَاءَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ، فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ… وَأَمَّا أَنَا وَبَيْتِي فَنَعْبُدُ الرَّبَّ» (يشوع 24: 15)

«اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ… فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا» (التثنية 30: 15، 19)

«حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي» (متى 16: 24) — فالشرط هنا مقترن بـ “إن أراد”، مما ينفي القسر والإكراه.

‎د.القس / جرجس عوض

 

*مجدى طنطاوى يرد على عتاب اخيه د.جرجس عوض*

*حين يختلط محل النزاع*

 

أتقدم بداية بكل التقدير والمحبة إلى أخى العزيز الدكتور القس جرجس عوض وأؤكد أن اختلاف الرأى بيننا لا ينقص من مكانته عندى ولا من تقديرى لفكره فالحوار الصادق لا يفسد للود قضية بل يثريها

لكننى أرى أن الرد الكريم لم يناقش الفكرة التى طرحتها وإنما انتقل إلى قضية أخرى تختلف عنها تماما وهو ما يعرف فى المنطق بتحويل محل النزاع

فأنا لم أقل إن المسيحية تضطهد من يتركها ولم أتهم عقيدتها بذلك بل قلت بوضوح إن صحت هذه الرواية ثم انطلقت منها لطرح سؤال يتعلق بحرية الإنسان فى اختيار عقيدته أيا كانت ولم أجعل من الواقعة دليلا على إدانة دين أو تبرئة آخر

وكان جوهر المقال أن الإنسان يجب أن يكون حرا فى أن يؤمن أو يكفر وأن يغير معتقده دون أن يتعرض للكراهية أو الاضطهاد أيا كان الدين الذى يتركه أو الذى يعتنقه

أما الرد فقد انصرف إلى الدفاع عن اللاهوت المسيحى وإثبات أن المسيحية تؤمن بحرية الإرادة وهذا أمر لم يكن محل خلاف أصلا ولم يناقشه المقال حتى يحتاج إلى دفاع

ثم انتقل إلى الحديث عن معاناة من يعتنق المسيحية فى بعض المجتمعات الإسلامية وكأن هذا ينقض ما كتبته بينما الحقيقة أنه يؤيده تماما لأننى لم أدافع عن أى صورة من صور الاضطهاد ولم أقل إن المسلمين يمارسون الحرية دائما بل استشهدت بالقرآن باعتباره المعيار الذى يجب أن يحتكم إليه المسلمون لا باعتباره وصفا لواقع المسلمين

وهنا يكمن الفارق الجوهرى بين المقال والرد

لقد ميزت بوضوح بين النص الدينى وبين سلوك البشر فقلت إن الكراهية التى تواجه إنسانا لأنه اختار الإيمان لا يمكن أن تنسب إلى روح الدين وإنما إلى التعصب وضيق الأفق

فكيف يقال بعد ذلك إننى قارنت بين نصوص مثالية وسلوكيات عملية بينما المقال نفسه يقرر أن المشكلة فى البشر لا فى النص

والأعجب أن أخى الكريم انتهى فى خاتمة رده إلى النتيجة نفسها التى انتهيت إليها حين أكد أن حرية الضمير والعقيدة حق لكل إنسان وأن القمع يجب أن يدان أيا كان اتجاهه

وهذا هو عين ما دافعت عنه منذ السطر الأول

أما الحديث عن أن المسلمين الذين يعتنقون المسيحية يعانون من ضغوط أشد فليس ردا على المقال لأننى لم أكتب عن مقارنة فى حجم المعاناة ولم أقل إن الألم يقع على طرف دون آخر فالظلم يظل ظلما مهما كان ضحيته ومهما كانت هويته

إن القضية التى أردت إثارتها أبسط من كل ذلك وأعمق فى الوقت نفسه

هل يملك الإنسان حق البحث عن الحقيقة

وهل يملك حق أن يغير قناعته دون أن يتحول إلى عدو لمجتمعه

إذا كانت الإجابة نعم فقد التقينا جميعا على أرضية واحدة وإذا كانت الإجابة لا فلن يكون الخلاف بين الإسلام والمسيحية وإنما بين الحرية والقهر

وأكرر لأخى العزيز الدكتور جرجس عوض أننى لم أكتب دفاعا عن الإسلام فى مواجهة المسيحية ولا دفاعا عن المسيحية فى مواجهة الإسلام وإنما كتبت دفاعا عن الإنسان فى مواجهة التعصب وعن حرية الضمير التى كرمها الله وجعل حسابها إليه وحده

ولعلنا نتفق فى النهاية على أن أعظم انتصار للأديان ليس أن يزداد عدد أتباعها بالإكراه وإنما أن يزداد عدد المؤمنين بحرية الإنسان وكرامته واحترام اختياره لأن الإيمان الذى يولد من الحرية هو وحده الذى يستحق أن يسمى إيمانا.

*مجدى طنطاوى*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى