مختارات

*متتالية قصصية: “بعد السقوط”*

*1. الغياب*

“أين كنت يا وتد”؟

لم يكن سؤالاً. كان جرحاً مفتوحاً.

الوتد كان موجوداً. لكنه كان يثبّت ظلاً آخر، في أرضٍ أخرى.

وحينما مال الغصن، كان الوتد يعدّ أعذاره: “ظننتكِ أقوى”، “لم أسمع الريح”، “كنتُ سآتي”.

لكن الغصن لا يأكل الأعذار. الغصن يحتاج سنداً. وكان بلا سند.

 

*2. العاصفة*

تركتني للريح تعصف بي طويلاً.

الريح كانت أمينة. هزّت، عرّت، كسرت.

كسرت ما اشتد من أوهامي. كسرت يقيني أن اليد ستمتد.

وفي كل كسر، كنت أسمع صوتاً داخلي يقول: “هذا ليس لكِ”.

فهمت متأخرة: الريح لم تكن عدوي. غيابك كان.

 

*3. العدم*

كنت أبحث عنك في كل جهة.

في صوتي وأنا أناديك، في صمتك وأنت لا ترد، في الوجوه التي تشبهك ولا تشبهك.

بحثت حتى تآكلت الجهات.

فلم أجد غير ما فقد: نفسي. كنتُ قد وزعتها على احتمالات عودتك، فلم يبقَ مني شيء.

كنتُ أبحث عن وتد، ففقدت الغصن.

 

*4. السقوط*

فانحنى ظلي قبل أن أنحني.

ظلي كان يعرف. الظلال لا تكذب. رأى الشرخ في جذعي قبل أن أراه.

انحنى احتراماً لسقوطٍ قادم.

وسقط القلب… للأبد.

لم يمت. لكنه سقط من قمة اسمها “التعويل على أحد”. ومن يسقط من هناك، لا يحن للصعود.

 

*5. القيامة*

وها أنا الآن أتعلم الوقوف وحدي، بلا يدٍ تمتد.

الأيام الأولى كنت أستند على الجدران، على الكرسي، على ذكراك.

ثم كرهت الاستناد. صار مهيناً.

فغرستُ كعبي في أرضي. في كسري. في وجعي.

ونبتّ. لا كغصن هذه المرة. كجذر. والجذر لا يستأذن الريح.

 

*6. الباب المغلق*

فإن عدت يوماً…

ستجد البيت كما هو. لكن الغرفة التي كانت لك، صارت مخزناً لأشيائي الجديدة.

لن تجد ما كنت إليه تستند.

لأن التي كانت تستند، ماتت واقفة.

والتي أمامك، صنعت ظهرها من عظم الكسر.

والعظم الجديد… لا يميل.

 

*بقلم الكاتبة الروائية هدى حجاجي أحمد*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى