المبادئ الأخلاقية للقتال والتعارف الإنساني في فكر الشرفاء الحمادي: تفكيك السرديات التاريخية واستعادة الجوهر القرآني

بحث بقلم بهجت العبيدي
١. مدخل: التمييز بين الرسالة الإلهية والممارسة التاريخية
يشكل “الفصل المعرفي” بين “الدين كوحـي إلهي” و”التاريخ كفعل بشري” حجر الزاوية في المشروع الفكري للمفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي يشرّح أزمة العقل المسلم المعاصر عبر رصد عملية “الاختطاف” المنهجي التي تعرضت لها الرسالة المحمدية، حيث جرى تطويع النصوص المقدسة وتحويلها من رسالة رحمة عالمية إلى أيديولوجيا تبريرية لخدمة مشاريع الهيمنة والتوسع السياسي.
إن الأستاذ الشرفاء يرى أن استعادة الجوهر القرآني تقتضي، بالضرورة الحضارية، تفكيك تلك السرديات التاريخية التي منحت “قداسة مزيفة” لأعمال الغزو والنهب، والتمييز الصارم بين مقاصد الوحي العلوي وبين المصالح المادية للإمبراطوريات التي استغلت الدين كأداة لإخضاع الشعوب وتبرير الاختطاف الفكري والسياسي لجوهر الإسلام.
٢. ميثاق القتال في القرآن الكريم: ضوابط الدفاع عن النفس وحرمة الاعتداء
يؤصل فكر الأستاذ الشرفاء الحمادي لمنظومة أخلاقية صارمة للقتال، مستمدة حصريا من النص القرآني، بعيدا عن الاجتهادات الفقهية التي تأثرت بظروف الصراع الإمبراطوري. وتتجلى هذه الضوابط في:
• حصر القتال في الدائرة الدفاعية: استنادا لقوله تعالى: “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا”، حيث يُقيد النص “الضرورة الدفاعية” برد العدوان فقط، مما ينفي شرعية أي حرب استباقية أو توسعية.
• حرمة الاعتداء المطلقة: التأكيد على أن تجاوز حدود الدفاع يُعد خروجا عن المنهج الإلهي واعتداء يأثمه النص القرآني.
• قدسية الحياة البشرية: يرتكز التحليل على سورة المائدة: “مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ” (سورة المائدة: 32). والتي ترفع من شأن النفس البشرية إلى مستوى الإنسانية جمعاء، مما يجعل الحفاظ على الأرواح غاية عليا.
• الكرامة الإنسانية كقيمة عليا: الربط بين القتال وحماية الكرامة الإنسانية (سورة الإسراء):”وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”، وهو ما يفند شرعية الحروب التي تهدف إلى السبي أو الاسترقاق أو إذلال الآخر.
٣. تفكيك سردية “الفتوحات”: التوسع الإمبراطوري تحت غطاء القداسة
يفند الأستاذ الحمادي المصطلح التاريخي “فتوحات”، مؤكدا أنها لم تكن سوى توسع إمبراطوري تقليدي مدفوع بشهوة السلطة والمادة، ولا تختلف في جوهرها عن التوسعات الرومانية أو الفارسية. ويشير تحليله العميق إلى أن الصراع لم يكن يوما بين الإسلام والمسيحية كأديان، بل كان صراعا بين أصحاب القوة الذين اتخذوا من الدين غطاء لهم.
والجدول التالي يبين الفرق بين القتال في القرآن والحروب التوسعية التاريخية “الفتوحات” كما يذهب الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي

٤. دراسة حالة: التجاوزات العثمانية وأثرها في الذاكرة الأوروبية (معركة موهاج 1526م)
يقدم المفكر الأستاذ علي الشرفاء الحمادي الدولة العثمانية كنموذج صارخ لتوظيف الدين في تبرير الجرائم ضد الإنسانية، وهو ما رسخ “كراهية موروثة” في العقل الجمعي الأوروبي تجاه الإسلام:
“اقترف السلطان سليمان القانوني فظائع يندى لها الجبين ضد دولة ذات سيادة؛ حيث أمر بذبح الفلاحين العزل، ونهب وحرق مدينتي بودا وبست، ووصلت السادية إلى بناء هرم من رؤوس الهنغاريين المقطوعة. لقد أعدم 2000 أسير في مخالفة صريحة للقرآن، وفي معركة بتروفارادين أعدم 500 جندي وضابط بعد استسلامهم وسبي 300 آخرين. إن هذه الممارسات الإجرامية هي التي حولت صورة ‘المسلم التركي الغازي’ في الذاكرة المسيحية إلى رمز للغدر والدموية، وهي المسؤول الأول عن تشويه رسالة الرحمة الإلهية.”
إن هذا الإرث المظلم لم يفرق فيه الوجدان الأوروبي بين جوهر الإسلام وبين الممارسات السلطوية، مما جعل تلك الفظائع التاريخية مكوناً حياً في الوعي الأوروبي المعاصر.
٥. الغزو الأيديولوجي الحديث: من التوسع العسكري إلى “الغزو الناعم”
يرصد التحليل امتدادا معاصرا لهذا الفكر التوسعي من خلال حركات الإسلام السياسي (الإخوان والسلفية)، التي استبدلت الجيوش التقليدية بآليات “الغزو الناعم” عبر استغلال الحريات المفتوحة والهشاشة الاجتماعية في أوروبا:
١. ثنائية “دار الإيمان ودار الكفر”: إعادة إحياء المفاهيم الصدامية وتقسيم العالم إلى فسطاطين، مما يجعل المجتمعات الأوروبية “ساحة غزو” فكري وأيديولوجي.
٢. مشروع التمكين وتغيير الحيز العام: تبني رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة المجال العام الأوروبي بناء على أسس أيديولوجية، واستدعاء مفاهيم “استعادة الأندلس” و”فتح روما”.
٣. عزل المجتمعات وخلق “الجيتوهات”: السعي المنهجي لخلق هياكل موازية تعزل المسلمين عن محيطهم، مما يحول الوجود الإسلامي من “فرصة حضارية” إلى “مصدر قلق” أمني واجتماعي.
٤. تغذية التطرف المقابل: يؤكد الأستاذ الحمادي أن هذا الغزو الناعم يمثل وقودا لتيارات “اليمين المتطرف” في أوروبا، مما يدخل العلاقة بين العالمين في حلقة مفرغة من العداء المتبادل والشكوك.
٥. المخططات الاستراتيجية: الإشارة إلى مشاريع مثل “مشروع التمكين” المرتبط بيوسف ندا، وخيرت الشاطر، وأكرم العدلوني، والتي تهدف لبناء نفوذ طويل الأمد يخدم أجندة التنظيم الدولي.
٦. نحو مشروع شراكة حضارية: مبدأ “التعارف” كبديل للصراع
يخلص المفكر العربي الكبير الأستاذ الشرفاء الحمادي إلى أن تفكيك سرديات الصراع هو ضرورة حضارية ملحة لبناء مستقبل إنساني مشترك.
كما يرى إن المخرج يكمن في العودة إلى المقصد القرآني الأسمى في سورة الحجرات: “وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا”.
إن بناء علاقة إسلامية-مسيحية جديدة يتطلب تصحيح الصورة الذهنية المشوهة عبر “فصل معرفي” وجرأة في نقد التاريخ، واستبدال منطق “المواجهة الكونية” بمنطق “الشراكة الإنسانية”.
وهكذا يصبح الهدف النهائي هو الانتقال من صدام الأيديولوجيات إلى تعاون الحضارات، حيث يسود الاحترام المتبادل وتصان الكرامة الإنسانية، بعيدا عن إرث الإمبراطوريات الغابرة وأطماع التنظيمات المعاصرة، وصولاً إلى تحقيق السلام العالمي كأسمى تجليات الرسالة الإلهية.



