سياسة عربية ودولية

زلزال سقوط «أوربان» يهز أمريكا وإسرائيل بعنف .. «كش ملك» !! 

تحليل يكتبه/ محمد عبد الجواد

صدمة مدوية أشبه بانفجار قنبلة نووية شديدة التفجير تلقاها رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بالهزيمة في الانتخابات بعد 16 عاما قضاها في سدة الحكم بالمجر خادما مطيعا لإسرائيل وهو ما ولد حالة من الكبت لدى المجريين الذين لقنوه درسا قاسيا بإزاحته عن الحكم والهزيمة التي مثلت زلزالا عنيفا هز معاقل اليمين المتطرف في أوروبا وحول العالم وقطع ذراع إسرائيل القوية في أوروبا.

أصداء الهزيمة المدوية لـ أوربان، الخصم الشرس لقادة الاتحاد الأوروبي تردد صداها بقوة في واشنطن وموسكو وكييف وبروكسل بعدما حقق بيتر ماجيار، البالغ من العمر 45 عامًا، فوزًا ساحقًا، وتعهد بإصلاح العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي التى توترت بسبب سياسات أوربان تجاه أوكرانيا.

التقديرات تشير إلى ضمان حزب حزب « تيسا » الذي يقوده ماجيار، واسمه يعني الاحترام والحرية، وتأسس عام 2020، وبرز في 2024 على 138 مقعدًا من أصل 199، مقابل 55 لحزب فيدس بقيادة أوربان، ما يمنح ماجيار أغلبية الثلثين اللازمة لإجراء إصلاحات واسعة في البلاد.

الشعب المجري وجه ضاربة قاضية لـ «أوربان» وحزبه والبعض مارس التصويت العقابي ضده بعد تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الانتخابات ومطالبة المجريين بالتصويت لحليفه القومي ومنحه فوزًا انتخابيًا للمرة الخامسة على التوالي لكن المجريون خرجوا بأعداد قياسية لإنهاء فترة رئيس الوزراء الأطول في الاتحاد الأوروبي.

هزيمة «أوربان» فجرت حالة من السعادة والتفاؤل لدى قادة دول أوروبا الكبيرة مثل انجلترا وفرنسا وألمانيا وحتى الاتحاد الأوروبي التي اعتبرت أن خسارته لحظة تاريخية ليس للمجر فحسب بل انتصارا للديمقراطية الأوروبية، من أجل أوروبا قوية وآمنة، موحدة»

نسبة مشاركة المجريين في الانتخابات 74% متجاوزة نسبة 69.59% في الانتخابات السابقة، وهي النسبة الأعلى للمشاركة منذ انتخابات عام 1990 بعد سقوط الشيوعية، ما اعتبره الكثير من المراقبون أكبر تفويض في تاريخ المجر الديمقراطي.

نتيجة الانتخابات الصادمة للشعبويين واليمين المتطرف حول العالم أفرزت واقعا سياسيا ولم تعد ليس مجرد تغيير داخلي، فقط لكنه حجر الزاوية أو عمود الخيمة لبدء مرحلة تغيير توازن القوى في القارة العجوز، وسيمتد تأثيرها ويلقي بظلالها القاتمة على الكثير من الملفات الملتهبة وشديدة التعقيد في الشرق الأوسط وخلقت حالة من القلق المتزايد في دوائر صنع القرار داخل إسرائيل بعد فقدوا أقوى قطعة يمتلكونها داخل أوروبا في رقعة شطرنج سياستهم داخل أوروبا.

نتيجة الانتخابات جاءت صادمة ومؤلمة لصقور تل أبيب المتعطشة للدماء وجعلت إسرائيل هي الخاسر الأكبر حتى من «أوربان» الذي كان دائما هو الحليف الأكثر وفاءً لبنيامين نتنياهو داخل الاتحاد الأوروبي، ولعب دور «حائط الصد» ضد أي تحركات أوروبية لفرض عقوبات ضد إسرائيل بسبب الحرب في غزة والتوسع الاستيطاني.

الخسائر الإسرائيلية ستتواصل لأنه برحيل «أوربان» سيفقد اليمين الإسرائيلي القدرة على تعطيل الإجماع الأوروبي لتصبح دول القارة العجوز أقرب من أي وقت مضى لتبني سياسة موحدة وأكثر صرامة تجاه إسرائيل وهو ما يشعل حالة من القلق داخل الأوساط السياسية العبرية لأنه مع توجه الحكومة المجرية الجديدة نحو الالتزام الكامل بمعايير الاتحاد الأوروبي والقانون الدولي، تتبدد آمال إسرائيل في إيجاد غطاء سياسي مجري يعيق مذكرات الاعتقال المحتملة من المحكمة الجنائية الدولية وستخضع لمراجعة دقيقة تقوم على مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي بدلاً من مقاييس الصداقة الأيديولوجية التي كانت تتبادلها بودابست وتل أبيب.

وتمثل نتائج انتخابات المجر ضربة قاصمة لتيارات اليمين القومي المتطرف، على الصعيد العالمي والأوروبي لأن فوز حزب «تيسا» يمثل بارقة أمل كبيرة لأنه أصل لفكرة أن موجة الصعود اليميني التي اجتاحت القارة العجوز يمكن كسرها من خلال خطاب يركز على مكافحة الفساد والإصلاح المؤسسي.

وتعتبر هزيمة «أوربان» إعلانا لنهاية حقبة الديمقراطية غير الليبرالية في أوروبا وبالتالي استعادت القارة العجوز وحدتها السياسية، ما سيجعل صوتها أكثر تأثيراً في النزاعات الإقليمية كما ان هزيمة أوربان مثلت انتكاسة شديدة للأممية اليمينية المتطرفة التي كانت تراه قدوةً تحتذى ومدخل واسع إلى مرحلة سياسية جديدة في الاتحاد الأوروبي الذي يعيش منذ سنوات مسكوناً بهاجس الصعود المطرد للقوى الشعبوية المتطرفة واقترابها من الحكم.

الناخب المجري، قلب الطاولة على «حجنورية أوربان» وخطاباته الشعبوية بعدما سئم التضخم وتراجع الخدمات الصحية، فقرر كسر احتكاره للسلطة.

بقي أن تقول أن بيتر ماجيار كان من أشدّ المعجبين بفيكتور أوربان، وعلّق صورة كبيرة له على جدار غرفته في المدينة الجامعية عندما كان طالبا وشرب أفكاره السياسية والاجتماعية من الحزب الذي أسسه لكنه منذ عامين فقط، قرر الانشقاق عن الحزب، وبدأ نشر أسرار قياداته وما كانت ترتكبه من تجاوزات، وبدأ صعوده السياسي بسرعة الصاروخ، إلى أن دمّر الهيكل الذي بناه أستاذه السابق على مدار 16 عاما ليتفوق التلميذ على الأستاذً.

«ماجيار» ينتمي إلى عائلة من النخبة المجرية فوالده محامياً شهيراً، وتولت والدته مناصب رفيعة المستوى في المحكمة العليا وجدته كانت شقيقة الرئيس الأسبق فيرين مادل، وجدّه كان مذيعاً تلفزيونياً معروفاً يقدم برامج استشارات قانونية وخلال دراسته الجامعية في ألمانيا، أقام صداقة وطيدة مع جرجلي جولياس،الذي يدير حالياً مكتب رئيس الوزراء وزوجته جوديت فارجا كانت نائبة في البرلمان الأوروبي عن حزب أوربان، بينما كان هو موظفاً في بعثة المجر الدائمة لدى المؤسسات الأوروبية في بروكسل.

وفي عام 2018 عيّن أوربان زوجة ماجيار وزيرة للشئون الأوروبية، ثم وزيرة للعدل حتى عام 2023 عندما تمّ تعيين والدة ماجيار نائبة لرئيس السلطة القضائية.

لكن المعلومات الكثيرة التي كان يملكها عن حزب أوربان، ومعرفته باستراتيجيته السياسية ومواطن الضعف لدى قياداته، كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وساعدته في وضع برنامج انتخابي يقوم على فكرة تجديد حزب أوربان وتطهيره من العيوب الكثيرة التي راكمها على مر السنين، فقرر تأسيس حزبه الخاص، رافضاً أن يلتحق بأحزاب المعارضة التقليدية التي أدركت ضعفها فانسحبت تدريجياً من السباق الانتخابي ومهدّت الطريق أمامه للفوز الكاسح.

هزيمة «أوربان» وجهت ضربة موجعة لمشروع ترامب الأوروبي لأن أوروبان كان بالنسبة لدونالد ترامب، هو المعلم والنموذج الذي يحتذى به في إدارة الدولة القومية لكن فجأة وجد ترامب إسرائيل نفسيهما بلا رأس حربة داخل الاتحاد الأوروبي الأمر الأكثر إثارة وشغف هو سقوط الاستبداد الانتخابي لأن رحيل أوربان عبر صناديق الاقتراع كسر السرديات والتابوهات التي تردد أن الأنظمة اليمينية القوية لا يمكن زحزحتها، فيما يعد رسالة دعم قاسية لتيار ماجا (MAGA) في أمريكا قبل الاستحقاقات الانتخابية القادمة في نوفمبر والتي قد تضع نتائجها مستقبل ترامب وحزبه على حافة الهاوية.

خسارة «أوربان» كلها فوائد للجميع لأنها ستعيد رسم خارطة أوروبا الشرقية وتفكك المثلث القومي (أوربان – فيكو – بابيش) ما يعني عودة المجر لقلب القارة العجوز، وترك حلفائها السابقين داخل سلوفاكيا والتشيك في عزلة سياسية وهو ما يخلق إعادة تموضع أوروبية شاملة؛ فهل يتوالى سقوط أحجار دومينو اليمين القومي العالمي؟!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى