الشرق الأوسط… عندما تصل حاملة الطائرات وتغيب العقول

مشغل الصوت
يبدو أن الشرق الأوسط لم يعد يحتاج إلى خرائط سياسية، ولا إلى مؤتمرات قمة ولا حتى إلى نشرات أخبار
يكفي فقط أن ترسل الولايات المتحدة حاملة طائرات نووية إلى الخليج العربي فيعرف الجميع أن العرض قد بدأ وأننا أمام موسم جديد من مسلسل قديم:
الردع من أجل السلام أو هكذا يقولون.
حاملة طائرات بحجم مدينة عائمة تعمل بالطاقة النووية، تحمل عشرات الطائرات وترافقها مدمرات وغواصات تصل إلى المنطقة لا لتحارب بالطبع لا وإنما لطمأنة الحلفاء.
ويا لها من طمأنينة
طمأنينة تشبه أن يزورك جارُك وهو يحمل مدفعًا رشاشًا ليقول لك اطمّن أنا جاي أهدّي الأمور.
أما إيران فتقف في المشهد كعادتها
لا تحارب ولا تنسحب ولا تصمت.
إيران تتقن فن الوقوف في منتصف الطريق.
ترفع السقف بالتصريحات وتخفضه بالوسطاء وتترك الجميع في حالة قلق دائم لأن القلق نفسه أصبح سلاحًا استراتيجيًا.

هي لا تريد حربًا شاملة لكنها لا تمانع أن يشعر الجميع بأن الحرب ممكنةفي أي لحظةدون إعلان.
ثم تأتي الصين بثقلها الاقتصادي وهدوئها البارد فتقف بعيدًا قليلًا عن الضجيج تمسك الدفتر لا البندقية وتراقب.
الصين لا ترسل حاملات طائرات بل ترسل عقودًا واستثمارات، ورسائل غير مباشرة معناها
اضربوا بعضكم إن شئتم المهم أن تظل سلاسل التوريد تعمل.
أما روسيا فهي اللاعب الذي لا يحب الخروج من الكادر.
ليست في الصدارة، لكنها ترفض الغياب.
تبتسم ابتسامة غامضة تلوّح بملفات الطاقة والسلاح وتذكّر الجميع بأنها لا تزال قادرة على إرباك المشهدحتى لو لم تغيّره بالكامل.
روسيا لا تبحث عن حل بل عن دورأي دور.
وفي وسط هذا كله، يقف الشرق الأوسط نفسه لا كفاعل بل كمسرح.
الأرض أرضه، والنار ناره لكن القرار ليس قراره.
منطقة تُدار بالأزرار من خارجها وتُحرق نتائج الصراع داخلها.
الغريب أن كل طرف يقول إنه جاء ليمنع الحرب
ومع ذلك كل أدوات الحرب حاضرة.
السفن الصواريخ القواعد التحالفات والتهديدات.
كأن العالم قرر أن يمنع الحريق عبر زيادة كمية الوقود.
وفي النهاية لا أحد يسأل سؤالًا بسيطًا جدًا
ماذا تريد شعوب المنطقة؟
لأن الإجابة مزعجة
الشعوب تريد حياة عادية بلا حاملات نووية، وبلا بيانات عاجلة وبلا خرائط نار.
لكن يبدو أن الشرق الأوسط محكوم عليه أن يظل العنوان المفضل لكل استعراض قوة وأن تبقى حاملات الطائرات تزوره أكثر مما تزوره التنمية
وأن يكون السلام دائمًا مشروعًا مؤجلًا
إلى إشعار آخر أو حاملة أخري .
بقلم
حميدو حامد صقر
عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية
باحث في القانون الدولي الإنساني



